مَسْأَلَةُ اتِّهَامِ الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ بِالتَّضْيِيقِ فِي بَابِ الْمُعَامَلَاتِ، وَمَدَى انْعِكَاسِ ذَلِكَ عَلَى مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ (أَيْ الْمَسَائِلِ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا عَنِ الْبَقِيَّةِ)، هِيَ مَسْأَلَةٌ أُصُولِيَّةٌ فِقْهِيَّةٌ تَحْتَاجُ إِلَى تَفْكِيكٍ مَوْضُوعِيٍّ بَعِيداً عَنِ الْأَحْكَامِ السَّطْحِيَّةِ. وَظَاهِرُ التَّحْقِيقِ فِي هَذَا الْجَانِبِ يَنْقَسِمُ إِلَى مِحْوَرَيْنِ:
أَوَّلًا: هَلْ يُضَيِّقُ الْمَالِكِيَّةُ فِي بَابِ الْمُعَامَلَاتِ؟
الْقَوْلُ بِأَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يُضَيِّقُونَ فِي الْمُعَامَلَاتِ هُوَ وَصْفٌ غَيْرُ دَقِيقٍ؛ بَلْ وَاقِعُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَقُومُ عَلَى دِعَامَتَيْنِ مُتَوَازِنَتَيْنِ تُعْطِيَانِهِ مُرُونَةً فَرِيدَةً مِنْ جِهَةٍ، وَانْضِبَاطاً صَارِماً مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى:
1. الْمُرُونَةُ وَالتَّوْسِعَةُ بِاعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ وَالْأَعْرَافِ: الْمَذْهَبُ الْمَالِكِيُّ مِنْ أَوْسَعِ الْمَذَاهِبِ فِي اعْتِبَارِ عِلَلِ الْمُعَامَلَاتِ وَمَقَاصِدِهَا. فَهُمْ يَأْخُذُونَ بِـ (الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ) وَ(الْعُرْفِ) وَ(الِاسْتِحْسَانِ)، وَيُجِيزُونَ مِنَ الْعُقُودِ مَا تَشْتَدُّ حَاجَةُ النَّاسِ إِلَيْهِ وَإِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ الظَّاهِرَ؛ وَمِنْ ذَلِكَ تَوَسُّعُهُمْ فِي إِجَازَةِ عَقْدِ الْجَعَالَةِ، وَبَيْعِ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ، وَكِراءِ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا فِي جَوَانِبَ مُحَدَّدَةٍ، وَمُرُونَتُهُمْ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ.
2. الْحَيْطَةُ وَالتَّشْدِيدُ بِاعْتِبَارِ الذَّرَائِعِ وَالْغَرَرِ: فِي الْمُقَابِلِ، يَظْهَرُ الْمَذْهَبُ "مُشَدِّداً" فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى بِسَبَبِ إِعْمَالِهِمْ لِأَصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ هُمَا: (سَدُّ الذَّرَائِعِ) وَ(مَنْعُ الْغَرَرِ وَالرِّبَا). فَالْمَالِكِيَّةُ لَا يَنْظُرُونَ إِلَى صُوَرِ الْعُقُودِ الظَّاهِرَةِ فَحَسْبُ بَلْ يَنْفُذُونَ إِلَى الْمَقَاصِدِ؛ وَلِذَلِكَ حَرَّمُوا بُيُوعَ الْآجَالِ (كَالْعِينَةِ) سَدّاً لِذَرِيعَةِ الرِّبَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ الْعَقْدِ صَحِيحاً. كَمَا أَنَّهُمْ دَقِيقُونَ جِدّاً فِي مَنْعِ أَيِّ جَهَالَةٍ قَدْ تُفْضِي إِلَى التَّنَازُعِ (كَمَسْأَلَةِ إِجَارَةِ السَّمْسَارِ بِمَا زَادَ عَنِ الثَّمَنِ).
فَالْخُلَاصَةُ أَنَّهُ لَيْسَ تَضْيِيقاً لِمُجَرَّدِ التَّضْيِيقِ، بَلْ هُوَ حِمَايَةٌ لِلنِّظَامِ الْمَالِيِّ وَاسْتِقْرَارِ الْمُعَامَلَاتِ وَمَنْعِ الْخُصُومَاتِ.
ثَانِيًا: هَلْ يَكْثُرُ مُفْرَدَاتُ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْكِتَابِ بِسَبَبِ ذَلِكَ؟
إِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ بِـ "الْكِتَابِ" هُوَ مَتْنُ الشَّيْخِ خَلِيلٍ أَوْ مُصَنَّفَاتِ الْمَذْهَبِ التَّقْرِيرِيَّةِ، فَإِنَّ طَبِيعَةَ صِيَاغَةِ الْمَسَائِلِ فِيهَا تَعْكِسُ تَمَاماً هَذَا التَّوَازُنَ الْأُصُولِيَّ. وَيُمْكِنُ تَقْسِيمُ وُرُودِ هَذِهِ الْمُفْرَدَاتِ وَالِاخْتِيَارَاتِ إِلَى نَوْعَيْنِ:
مُفْرَدَاتُ التَّيْسِيرِ: حَيْثُ يَنْفَرِدُ الْمَالِكِيَّةُ عَنْ بَعْضِ الْمَذَاهِبِ (كَالشَّافِعِيَّةِ مِثْلًا) بِإِجَازَةِ بُيُوعٍ أَوْ شُرُوطٍ تَسْهِيلاً عَلَى النَّاسِ، مِثْلَ إِجَازَةِ بَيْعِ الْعَقَارِ الْغَائِبِ بِالْوَصْفِ، وَالتَّوَسُّعِ فِي مَفْهُومِ الطَّعَامِ الرِّبَوِيِّ بِحَصْرِهِ فِي (الِاقْتِيَاتِ وَالِادِّخَارِ) فَقَطْ عَلَى الْمَشْهُورِ، مِمَّا أَخْرَجَ الْفَوَاكِهَ وَالْخَضْرَاوَاتِ وَالْمَكْسَرَاتِ عَنْ دَائِرَةِ الرِّبَوِيَّاتِ، وَهَذَا فِيهِ تَوْسِعَةٌ كَبِيرَةٌ لَا تَضْيِيقٌ.
مُفْرَدَاتُ الِاحْتِيَاطِ: وَهِيَ الْمَسَائِلُ الَّتِي مَنَعَهَا الْمَالِكِيَّةُ وَانْفَرَدُوا بِتَشْدِيدِ الضَّوَابِطِ فِيهَا لِأَجْلِ سَدِّ الذَّرَائِعِ (مِثْلَ التَّوَسُّعِ فِي صُوَرِ مَنْعِ بُيُوعِ الآجَالِ، وَمَنْعِ بَعْضِ صُوَرِ الشَّرِكَاتِ الَّتِي فِيهَا خَطَرٌ أَوْ غَرَرٌ).
وَعَلَيْهِ؛ فَإِنَّ وُرُودَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ لَا يَسِيرُ فِي اتِّجَاهِ التَّضْيِيقِ الْمُطْلَقِ، بَلْ هُوَ انْعِكَاسٌ لِتَطْبِيقِ أَدِلَّةِ الْمَذْهَبِ خُصُوصاً (قِيَاسَ الْعِلَّةِ) الْمَبْنِيَّ عَنِ الْغَرَرِ أَوِ الرِّبَا، وَمُرَاعَاةِ (قِيَاسِ الطَّرْدِ) فِي إِبْقَاءِ الْأُصُولِ مُطَّرِدَةً. فَمَا يَرَاهُ غَيْرُهُمْ تَضْيِيقاً هُوَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ضَبْطٌ لِلْعُقُودِ حَتَّى لَا تَتَحَوَّلَ إِلَى نِزَاعَاتٍ، وَمَا يَرَاهُ غَيْرُهُمْ تَسَاهُلًا هُوَ عِنْدَهُمْ فِقْهُ وَاقِعٍ وَمُرَاعَاةٌ لِحَاجَاتِ النَّاسِ وَمَعَايِشِهِمْ.
👁️ الـمشاهدون:
0