منهج البحث في كتاب إقامة الدليل لمسائل مختصر خليل

 الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَفَ العِلْمَ بِشَرَفِ مَعْلُومِهِ، وَجَعَلَ الفِقْهَ فِي الدِّينِ سَبِيلاً لِمَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْراً مَحْتُومًا، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الأَتَمَّانِ الأَكْمَلَانِ عَلَى مَنْ بُعِثَ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ دُسْتُورًا وَقَانُونًا، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ×، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ حَمَلُوا أَمَانَةَ البَلَاغِ، وَشَيَّدُوا صُرُوحَ الِاسْتِنْبَاطِ عَلَى قَوَاعِدِ الوَحْيِ المُبِينِ.
أَمَّا بَعْدُ؛ 
إِنَّ الفِقْهَ المَالِكِيَّ قَدْ تَبَوَّأَ مَنْزِلَةً سَامِيَةً بَيْنَ المَذَاهِبِ الإِسْلَامِيَّةِ، لِمَا اتَّسَمَ بِهِ مِنْ قُوَّةِ الأُصُولِ، وَسَعَةِ المَقَاصِدِ، وَرِعَايَةِ المَصَالِحِ. وَقَدْ كَانَ كِتَابُ "المُخْتَصَرِ" لِلإِمَامِ الضِّيَاءِ الشَّيْخِ خَلِيلِ بْنِ إِسْحَاقَ الجُنْدِيِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- هُوَ القُطْبَ الَّذِي دَارَتْ عَلَيْهِ رَحَى الدَّرْسِ المَالِكِيِّ فِي القُرُونِ المُتَأَخِّرَةِ، حَتَّى صَارَ عُمْدَةَ المَسَائِلِ، وَمَلَاذَ الفَتْوَى، وَمِعْيَارَ التَّحْقِيقِ لَدَى عُلَمَاءِ المَغْرِبِ وَالمَشْرِقِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ.
إِنَّ مَنْزِلَةَ "مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ" جَاءَتْ مِنْ دِقَّةِ عِبَارَتِهِ، وَجَزَالَةِ لَفْظِهِ، وَحَصْرِهِ لِلْمَشْهُورِ وَالرَّاجِحِ مِنَ الأَقْوَالِ. بَيْدَ أَنَّ هَذَا الِاخْتِصَارَ الشَّدِيدَ الَّذِي رَامَهُ المُؤَلِّفُ لِجَمْعِ الشَّتَاتِ، جَعَلَ المَسَائِلَ تَبْدُو فِي صُورَةِ نَتَائِجَ فِقْهِيَّةٍ مُجَرَّدَةٍ عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيليَّةِ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالقَوَاعِدِ الكُلِّيَّةِ. وَمِنْ هُنَا نَشَأَتِ الحَاجَةُ المُلِحَّةُ لِرَبْطِ هَذِهِ "الفُرُوعِ" بـ "أُصُولِهَا"، وَبَيَانِ أَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ صَاغَهَا الشَّيْخُ خَلِيلٌ إِنَّمَا هِيَ ثَمَرَةٌ لِنَظَرٍ مَقَاصِدِيٍّ، أَوْ أَثَرٍ مَرْوِيٍّ، أَوْ قِيَاسٍ جَلِيٍّ.
أَوّلاً : تَوْطِئَةُ الدِّرَاسَةِ
يَأْتِي هَذَا البَحْثُ المَوْسُومُ بِـ (إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسَائِلِ مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ) لِيَكُونَ جِسْراً بَيْنَ المَتْنِ وَالدَّلِيلِ، وَمِحَكّاً لِكُلِّ مَسْأَلَةٍ أَوْرَدَهَا المِصْنِفُ، بَدْءًا مِنْ مَسَائِلِ الطَّهَارَةِ، وَلَيْسَ المَقْصُودُ مِنْ هَذَا الجُهْدِ مُجَرَّدَ سَرْدِ الأَحَادِيثِ وَالآثَارِ، بَلْ هُوَ تَحْرِيرٌ لِمَنَاطَاتِ الأَحْكَامِ، وَاسْتِظْهَارٌ لِوَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ خَلِيلٌ تَرْجِيحَاتِهِ، مَعَ رَعَايَةِ القَوَاعِدِ الأُصُولِيَّةِ المَالِكِيَّةِ الَّتِي تُمَيِّزُ هَذَا المَذْهَبَ العَرِيقَ.
وَمِمَّا يَنْبَغِي التَّأْكِيدُ عَلَيْهِ، أَنَّ عَمَلِيَّةَ (إِقَامَةِ الدَّلِيلِ) لِمَسَائِلِ هَذَا المَتْنِ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ سَرْدٍ لِلنُّصُوصِ، بَلْ هِيَ دِرَاسَةٌ تَأْصِيلِيَّةٌ اسْتَنَدَتْ إِلَى المَصَادِرِ التَّشْرِيعِيَّةِ الأَرْبَعَةِ؛ الكِتَابِ العَزِيزِ، وَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ المُطَهَّرَةِ، وَ الإِجْمَاعِ المَنْقُولِ، وَ القِيَاسِ الصَّحِيحِ.
وَقَدْ جَاءَ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ مَبْنِيّاً عَلَى نِظَامٍ مَنْهَجِيٍّ يَسْتَصْحِبُ القَوَاعِدَ الفِقْهِيَّةَ الكُلِّيَّةَ، وَالضَّوَابِطَ الأُصُولِيَّةَ المَالِكِيَّةَ؛ كَمُرَاعَاةِ المَقَاصِدِ، وَسَدِّ الذَّرَائِعِ، وَالِاسْتِصْلَاحِ، وَمُرَاعَاةِ الخِلَافِ. وَذَلِكَ لِإِثْبَاتِ أَنَّ فُرُوعَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ لَيْسَتْ أَقْوَالاً مُرْسَلَةً، بَلْ هِيَ مَحْكُومَةٌ بِضَوَابِطِ النَّظَرِ المَقَاصِدِيِّ، وَمُسْتَمِدَّةٌ مِنْ مِشْكَاةِ الأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي ارْتَضَاهَا جَهَابِذَةُ المَذْهَبِ، مِمَّا يُضْفِي عَلَى البَحْثِ صِبْغَةً مَتِينَةً تَجْمَعُ بَيْنَ النَّقْلِ وَالعَقْلِ
ثانِيَاً : أَهْدَافُ البَحْثِ
يَسْعَى هَذَا البَحْثُ إِلَى تَحْقِيقِ المَقَاصِدِ الآتِيَةِ:
الِاسْتِدْلَالُ لِلمَسَائِلِ الخِلَافِيَّةِ: بَيَانُ أَدِلَّةِ المَالِكِيَّةِ فِيمَا انْفَرَدُوا بِهِ أَوْ فِيمَا كَانَ مَحَلَّ نِزَاعٍ مَعَ المَذَاهِبِ الأُخْرَى دَاخِلَ "المُخْتَصَرِ".
إِبْرَازُ الخُصُوصِيَّةِ المَنْهَجِيَّةِ: كَاعْتِمَادِ "عَمَلِ أَهْلِ المَدِينَةِ" وَ"الِاسْتِحْسَانِ" فِي تَوْجِيهِ بَعْضِ المَسَائِلِ الَّتِي أَوْرَدَهَا الشَّيْخُ خَليلُ.
تَنْقِيحُ المَنَاطَاتِ: شَرْحُ الشُّرُوطِ وَالقُيُودِ الَّتِي وَضَعَهَا الشيخ خليل لِكُلِّ حُكْمٍ، وَرَبْطُهَا بِالمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ.
ثَالِثًا: مَنْهَجِيَّةُ الدِّرَاسَةِ
اعْتَمَدْتُ فِي هَذَا العَمَلِ المَنْهَجَ "الِاسْتِقْرَائِيَّ التَّحْلِيلِيَّ"، وَذَلِكَ وَفْقَ الخُطُوَاتِ التَّالِيَةِ:
إِيرَادُ النَّصِّ الخَلِيلِيِّ: يَبْدَأُ المَبْحَثُ بِذِكْرِ عِبَارَةِ الشيخ خليل مَضْبُوطَةً بِالشَّكْلِ التَّامِّ لِتَحْرِيرِ المَحَلِّ.
تَحْلِيلُ المَفْرَدَاتِ: شَرْحُ المُصْطَلَحَاتِ الفِقْهِيَّةِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا المُؤَلِّفُ حُكْمَهُ.
سِيَاقُ الأَدِلَّةِ: وَتَنْقَسِمُ إِلَى:
الأَدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ: مِنَ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ.
الأَدِلَّةُ الأُصُولِيَّةُ: كَـ "الِاسْتِصْحَابِ"، أَوْ "سَدِّ الذَّرَائِعِ"، أَوْ "مُرَاعَاةِ الخِلَافِ" الَّتِي كَثُرَ اعْتِمَادُ الشيخ خليل عَلَيْهَا.
تَوْجِيهُ الدَّلِيلِ: بَيَانُ وَجْهِ الدَّلَالَةِ وَكَيْفِيَّةِ انْتِزَاعِ الحُكْمِ مِنَ المَصْدَرِ الشَّرْعِيِّ.
خَاتِمَةُ:
وَمَا هَذَا الجُهْدُ إِلَّا مُحَاوَلَةٌ لِخِدْمَةِ هَذَا المَتْنِ المُبَارَكِ، وَتَقْرِيبِهِ لِأَفْهَامِ الطَّلَبَةِ المُعَاصِرِينَ بِلُغَةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ أَصَالَةِ المَنْقُولِ وَحَدَاثَةِ المَنْهَجِ. فَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ صَوَابٍ فَمِنَ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَطَأٍ فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ، وَرَسُولُ اللَّهِ × بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ.
نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ هَذَا البَحْثَ لَبِنَةً خَالِصَةً فِي صَرْحِ الخِدْمَةِ الفِقْهِيَّةِ، وَأَنْ يَنْفَعَ بِهِ الكَاتِبَ وَالقَارِئَ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.

زياد حبوب أبو رجائي
عمان - الأردن

👁️ عدد المشاهدات: 250