حكم أكل المضطر لحم الانسان الميت

 أَكْلِ الْمُضْطَرِّ مِنْ لَحْمِ الْآدَمِيِّ الْمَيِّتِ

أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ والنَّصُّ عَدَمُ جَوَازِ أَكْلِهِ لِمُضْطَرٍّ، وصُحِّحَ أَكْلُهُ أَيْضا 

إِلَى نَازِلَةٍ مِنْ أَصْعَبِ النَّوَازِلِ الْفِقْهِيَّةِ، وَهِيَ تَعَارُضُ "ضَرُورَةِ حِفْظِ نَفْسِ الْمُسْلِمِ الْحَيِّ" مَعَ "حُرْمَةِ وَكَرَامَةِ الْجَسَدِ الْآدَمِيِّ الْمَيِّتِ"

 أَوَّلًا: عَرْضُ الْقَوْلَيْنِ الْمَنْصُوصِ وَالْمُصَحَّحِ

 الْقَوْلُ الْمَنْصُوصُ الْمَشْهُورُ: عَدَمُ جَوَازِ الْأَكْلِ مُطْلَقًا

 وَهُوَ مَا نُصَّ عَلَيْهِ فِي أُمَّهَاتِ الْمَذْهَبِ كَالْمُدَوَّنَةِ، وَبِهِ جَزَمَ عَبْدُ الْحَقِّ وَابْنُ عَرَفَةَ

 وَجْهُهُ: أَنَّ كَرَامَةَ الْآدَمِيِّ مَانِعَةٌ مِنِ ابْتِذَالِهِ بِالْأَكْلِ، وَلَا تُنْتَهَكُ حُرْمَةُ آدَمِيٍّ لِأَجْلِ بَقَاءِ آخَرَ؛ لِأَنَّ "الْحُرْمَةَ" هُنَا لَا تَقْبَلُ التَّفْضِيلَ، فَالْمَيِّتُ مُحْتَرَمٌ شَرْعًا كَالْحَيِّ

 الْقَوْلُ الْمُصَحَّحُ: جَوَازُ الْأَكْلِ لِلْمُضْطَرِّ بِقَدْرِ مَا يُقِيمُ صُلْبَهُ

 وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ الْقَصَّارِ، وَهُوَ "الظَّاهِرُ" مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ الْمَقَاصِدِيُّ

 وَجْهُهُ: أَنَّ الْحَيَّ مَعْصُومُ الدَّمِ بِيَقِينٍ، وَالْمَيِّتَ وَإِنْ كَانَ مُحْتَرَمًا إِلَّا أَنَّهُ خَرَجَ عَنْ دَارِ التَّكْلِيفِ، وَحِفْظُ حَيَاةِ الْحَيِّ أَوْجَبُ فِي مِيزَانِ الشَّرْعِ مِنْ صِيَانَةِ جُثَّةٍ تَتَحَلَّلُ

التَّرْجِيحُ حَسَبَ قَوَاعِدِ وَضَوَابِطِ الْمَذْهَبِ

إِذَا نَظَرْنَا إِلَى مَبَانِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ، نَجِدُ الصِّرَاعَ بَيْنَ قَاعِدَتَيْنِ كُبْرَيَيْنِ:

وَالتَّرْجِيحُ الْمَذْهَبِيُّ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ: هُوَ الْبَدْءُ بِالْمَنْعِ وَالنَّصُّ عَدَمُ الْجَوَازِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي النَّقْلِ، لَكِنَّ ذِكْرَهُ لِلْقَوْلِ "الْمُصَحَّحِ" بَعْدَهُ يُشِيرُ إِلَى قُوَّةِ النَّظَرِ فِيهِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ كَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَقَدْ ضَبَطُوا هَذَا بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلشَّخْصِ أَنْ يَأْكُلَ "بَعْضَ نَفْسِهِ" كَقَطْعِ أُصْبُعِهِ لِيَأْكُلَهُ لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ مُحَقَّقَةٌ عَلَى حَيٍّ، بِخِلَافِ الْأَكْلِ مِنْ غَيْرِهِ الْمَيِّتِ

التَّرْجِيحُ حَسَبَ قُوَّةِ الدَّلِيلِ

بِالنَّظَرِ إِلَى قُوَّةِ الدَّلِيلِ وَالْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ، نَجِدُ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْجَوَازِ الْمُصَحَّحَ هُوَ الْأَقْوَى لِلْأَسْبَابِ التَّالِيَةِ:

 تَقْدِيمُ الْحَيَاةِ الْمُحَقَّقَةِ عَلَى الْحُرْمَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ: كَمَا ذَكَرَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي "الْبَقْرِ"؛ فَإِنَّ حُرْمَةَ مَنْ عُلِمَتْ حَيَاتُهُ الْمُضْطَرِّ أَقْوَى بِيَقِينٍ مِنْ حُرْمَةِ مَنْ عُلِمَ مَوْتُهُ، وَالدَّلِيلُ أَنَّ قَاتِلَ الْحَيِّ يُقْتَصُّ مِنْهُ إِجْمَاعًا، بَيْنَمَا لَا قِصَاصَ عَلَى مَنْ نَبَشَ مَيِّتًا أَوْ جَرَحَهُ

 خُرُوجُ الْآدَمِيِّ عَنْ مُسَمَّى "الْمَيْتَةِ" الرِّجْسِ: كَمَا حَقَّقَ ابْنُ الْقَصَّارِ؛ فَالْآدَمِيُّ لَيْسَ بِنَجِسٍ، وَالْمَيْتَةُ الَّتِي حُرِّمَتْ إِنَّمَا لِنَجَاسَتِهَا، فَلَمَّا كَانَ الْمَيِّتُ الْآدَمِيُّ طَاهِرًا، بَطَلَتْ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ "النَّجَاسِيَّةُ"، وَبَقِيَتْ عِلَّةُ "الْإِكْرَامِ"، وَالْإِكْرَامُ مَصْلَحَةٌ تَنْحَنِي أَمَامَ ضَرُورَةِ "إِحْيَاءِ النَّفْسِ"

 عُمُومُ آيَاتِ الِاضْطِرَارِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ؛ وَهَذَا عُمُومٌ يَشْمَلُ كُلَّ مَا يُنْقِذُ مِنَ الْمَوْتِ، وَلَمْ يَخُصَّ الشَّارِعُ مَيْتَةً دُونَ مَيْتَةٍ عِنْدَ انْعِدَامِ الْبَدِيلِ وَخَوْفِ الْهَلَاكِ

 الْخُلَاصَةُ: الْأَرْجَحُ دَلِيلًا هُوَ جَوَازُ أَكْلِ الْمُضْطَرِّ مِنْ لَحْمِ الْآدَمِيِّ الْمَيِّتِ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا بِقَدْرِ مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَيِّ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ صِيَانَةِ جَسَدِ الْمَيِّتِ


👁️ الـمشاهدين: