مَن دُفِنَ بلا غُسْلٍ أو بلا صلاةٍ
تُعدُّ هذه المسألةُ من دقيقِ مذهبِ الإمامِ مالكٍ في الجمعِ بينَ "تعظيمِ الحُرْمَةِ" وبينَ "استدراكِ الفريضةِ" فالأصلُ أنَّ الغُسْلَ والصلاةَ حقَّانِ للمؤمنِ على إخوانِهِ، فإذا فاتَ مَحَلُّهُما بالدَّفنِ، وقَعَ التعارُضُ بينَ نبشِ القبرِ لاستدراكِ ما فاتَ، وبينَ كرامةِ الميِّتِ في عدمِ انتهاكِ سِتْرِهِ بعدَ مُواراتِهِ والضابطُ المشتَرَكُ عندَ المالكيةِ هو "حصولُ التغيُّرِ" في الجسدِ؛ فهو المِعْيارُ الفاصلُ بينَ الاستدراكِ وبينَ السُّقوطِ
النَّظرُ الفقهيُّ يرى أنَّ الغُسْلَ يُرادُ بهِ النظافةُ الشرعيةُ والتكريمُ، فإذا دُفِنَ الميِّتُ بلا غُسْلٍ نُبِشَ ما لم يُخَفْ عليهِ التفسُّخُ وتغيُّرُ الرائحةِ؛ لأنَّ بَقاءَهُ نَجِساً حُكماً في مَحَلِّ القُربِ القبرِ مُنافٍ للتكريمِ أمَّا الصلاةُ، فهي شفاعةٌ ودُعاءٌ، فإذا دُفِنَ بلا صلاةٍ، فالمذهبُ على أنَّ القبرَ لا يُنبَشُ لأجلِ الصلاةِ وحدَها، بل يُكتَفى بالصلاةِ عليهِ وهو في لَحْدِهِ الصلاةُ على القبرِ؛ لأنَّ مقصودَ الشفاعةِ يَحْصُلُ بالوقوفِ عندَ مَحَلِّهِ، بخلافِ الغُسْلِ الذي لا يَقْبَلُ النيابةَ عن بُعْدٍ
مَا رَواهُ البخاريُّ ومسلمٌ عَنْ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضيَ اللهُ عنهما: "أنَّ النبيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى قَبْرِ المَرْأَةِ التي كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ بَعْدَمَا دُفِنَتْ"؛ فَدَلَّ هَذَا عَلَى جَوَازِ استدراكِ الصلاةِ على القبرِ لِمَنْ فَاتَتْهُ، وهوَ أصْلُ المالكيةِ في عدمِ الحاجةِ للنبشِ لأجلِ الصلاةِ
مَا رُوِيَ عَنِ الصَّحابةِ في تركِ نبشِ مَنْ دُفِنَ لِعلَّةٍ أو ضَرورةٍ إذا خِيفَ عليهِ التغيُّرُ؛ لأنَّ حُرْمَةَ الميِّتِ مَيِّتاً كَحُرْمَتِهِ حَيّاً، والنبشُ معَ التفسُّخِ انتهاكٌ صريحٌ لِهذهِ الحُرْمَةِ، فَدَلَّ عَلَى أنَّ الاستدراكَ مَشروطٌ بسلامةِ الجسدِ