جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.

الممتنع ذاتيا والممتنع عرضيا

 قلت في نظم المعالي في أصول معتقد أهل السنة والجماعة:

10. وَمُمْتَنِعٌ أُحِيلَ لَهُ ثُبُوتٌ ... فَذَاتِيًّا يُكَذَّبُ فِي الْخَيَالِ

الشرح:

(ذَاتِيًّا) فِي هَذَا السِّياقِ العَقَدِيِّ المَنْطِقِيِّ هُوَ بَيَانُ نَوْعِ الِامْتِنَاعِ، وَهُوَ (الْمُمْتَنِعُ لِذَاتِهِ)؛ أَيِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الْوُجُودَ لِأَجْلِ حَقِيقَتِهِ وَمَاهِيَّتِهِ، لَا لِأَمْرٍ خَارِجِيٍّ عَنْهُ.

فَالْمُمْتَنِعُ قِسْمَانِ:

1. مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ (الذَّاتِيُّ): وَهُوَ مَا لَا يَتَصَوَّرُ الْعَقْلُ ثُبُوتَهُ أَصْلًا، كَوُجُودِ شَرِيكٍ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ جَمْعِ النَّقِيضَيْنِ (كَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ فِي آنٍ وَاحِدٍ)؛ فَهَذَا يُكَذَّبُ فِي الْخَيَالِ وَالْعَقْلِ لِذَاتِهِ.

2. مُمْتَنِعٌ لِغَيْرِهِ (الْعَرَضِيُّ): وَهُوَ مُمْكِنٌ فِي ذَاتِهِ لَكِنَّهُ امْتَنَعَ لِسَبَقِ عِلْمِ اللَّهِ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ، كَإِيمَانِ أَبِي لَهَبٍ.

فبقولك :  (فَذَاتِيًّا) تُؤَكِّدُ أَنَّ هَذَا "الْمُمْتَنِعَ" الَّذِي "أُحِيلَ لَهُ ثُبُوتٌ" (أَيْ اسْتَحَالَ اسْتِقْرَارُهُ) هُوَ كَاذِبٌ بِمُقْتَضَى هُوِيَّتِهِ وَذَاتِهِ، بِحَيْثُ لَا يَحْتَاجُ الْعَقْلُ لِعِلَّةٍ خَارِجِيَّةٍ لِيَحْكُمَ بِبُطْلَانِهِ.

الْإِعْرَابُ التَّفْصِيلِيُّ:

(فَذَاتِيًّا): :  الْفَاءُ: حَرْفُ عَطْفٍ لِلتَّعْقِيبِ (أَوْ رَابِطَةٌ لِجَوَابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ: إِذَا كَانَ مُمْتَنِعًا فَذَاتِيًّا يُكَذَّبُ).

ذَاتِيًّا: فِيهَا وَجْهَانِ إِعْرَابِيَّانِ سَدِيدَانِ: 

حَالٌ (مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ الْجُمْلَةِ): مَنْصُوبَةٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهَا الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَالتَّقْدِيرُ: (يُكَذَّبُ فِي حَالِ كَوْنِهِ ذَاتِيًّا)، أَيْ مَنْسُوبًا إِلَى الذَّاتِ.

مَنْصُوبٌ عَلَى النَّزْعِ الْخَافِضِ: أَيْ (بِذَاتِهِ)، فَلَمَّا حُذِفَ حَرْفُ الْجَرِّ انْتَصَبَ الِاسْمُ، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي نَظْمِ الْعُلُومِ.

مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ نَائِبٌ عَنِ الْمَصْدَرِ (لِبَيَانِ النَّوْعِ): وَالتَّقْدِيرُ: (يُكَذَّبُ تَكْذِيبًا ذَاتِيًّا).

(فِي الْخَيَالِ):  جَارٌّ وَمَجْرُورٌ مُتَعَلِّقَانِ بِالْفِعْلِ "يُكَذَّبُ".

فَائِدَةٌ مَنْطِقِيَّةٌ:

اسْتِعْمَالُكَ لِـ "الْخَيَالِ" هُنَا بَدِيعٌ؛ لِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ الذَّاتِيَّ لَا تَقْبَلُ الْقُوَّةُ الْمُتَخَيِّلَةُ صُوَرَتَهُ حَتَّى كَوَهْمٍ مُسْتَقِرٍّ، فَالْخَيَالُ يَجْمَعُ بَيْنَ الصُّوَرِ، لَكِنَّهُ يَعْجِزُ عَنْ جَمْعِ "مُمْتَنِعٍ" مَعَ "ثُبُوتٍ"، فَيَصِيرُ التَّكْذِيبُ فِيهِ "ذَاتِيًّا" جَبْرِيًّا.

وَهَذَا الْمِثَالُ التَّطْبِيقِيُّ الَّذِي يَفُكُّ عُقْدَةَ الْفَرْقِ بَيْنَ "الذَّاتِيِّ" وَ"الْعَرَضِيِّ" لِيَتَّضِحَ قَصْدُ نََظْمِ المَعالي:

مِثَالُ: (الدَّائِرَةُ الْمُرَبَّعَةُ)هَذَا هُوَ عَيْنُ الْمُمْتَنِعِ الذَّاتِيِّ؛ فَإِذَا حَاوَلْتَ أَنْ تَتَصَوَّرَ فِي ذِهْنِكَ "دَائِرَةً" وَلَكِنَّ لَهَا "أَرْبَعَةَ زَوَايَا قَائِمَةٍ"، فَإِنَّ عَقْلَكَ سَيَتَوَقَّفُ.لِمَاذَا هُوَ ذَاتِيٌّ؟ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ جَاءَ مِنْ "ذَاتِ" الدَّائِرَةِ وَ"ذَاتِ" الْمُرَبَّعِ؛ إِذْ هُمَا نَقِيضَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ.

كَيْفَ يُكَذَّبُ فِي الْخَيَالِ؟ كَمَا قُلْتُ فِي النَظْمِ، الْخَيَالُ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَرْسَمَ لَهَا "صُورَةً" مُسْتَقِرَّةً؛ فَكُلَّمَا رَسَمَهَا دَائِرَةً نَفَتِ التَّرْبِيعَ، وَكُلَّمَا رَسَمَهَا مُرَبَّعًا نَفَتِ التَّدْوِيرَ. فَهِيَ "مُكَذَّبَةٌ ذَاتِيًّا" قَبْلَ أَنْ يَنْظُرَ الْعَقْلُ فِي أَيِّ دَلِيلٍ خَارِجِيٍّ.

بِالْمُقَابِلِ: مِثَالُ الْمُمْتَنِعِ الْعَرَضِيِّ (لِغَيْرِهِ) تَصَوَّرْ (طَيَرَانَ الْإِنْسَانِ بِجَنَاحَيْنِ)؛ هَذَا لَيْسَ مُمْتَنِعًا ذَاتِيًّا.فِي الْخَيَالِ: يُمْكِنُكَ أَنْ تَتَخَيَّلَ إِكْسَانًا يَطِيرُ (مِثْلَ جَعْفَرٍ الطَّيَّارِ )، فَالْخَيَالُ لَا يُكَذِّبُ هَذِهِ الصُّورَةَ لِذَاتِهَا.لِمَاذَا امْتَنَعَ إِذًا؟ امْتَنَعَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ ذَاتِ الْإِنْسَانِ، وَهُوَ "قَانُونُ الْعَادَةِ" الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ، أَوْ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ لِفُلَانٍ أَنْ يَطِيرَ.

الْخُلَاصَةُ: فَطالِبُ العِلْمِ يقْصِدُ أَنَّ كُلَّ مَا يُحِيلُ الْعَقْلُ وُجُودَهُ (كَالشَّرِيكِ لِلَّهِ)، فَإِنَّ هَذَا الِامْتِنَاعَ لَيْسَ لِأَسْبَابٍ خَارِجِيَّةٍ، بَلْ هُوَ "ذَاتِيٌّ" نَابِعٌ مِنْ بُطْلَانِ حَقِيقَتِهِ، وَلِذَلِكَ لَا يَجِدُ لَهُ مَكَانًا حَتَّى فِي "خَيَالِ" الْعَاقِلِ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ الْبَاطِلِ.

الانَ لِمَاذَا جَعَلْنَا "الشَّرِيكَ" مُمْتَنِعًا ذَاتِيًّا ؟
فَالْمُمْتَنِعُ الْعَرَضِيُّ هُوَ مَا يَقْبَلُهُ الْعَقْلُ لَوْ نَظَرَ إِلَيْهِ مُجَرَّدًا، لَكِنَّ فِكْرَةَ "الشَّرِيكِ" لَا يَقْبَلُهَا الْعَقْلُ أَصْلًا بِمُجَرَّدِ تَصَوُّرِ مَعْنَى "الْإِلَهِ" يَرُدُّهُ. بُرْهَانُ التَّمَانُعِ ومَفْهومُ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ
لَوْ فَرَضْنَا وُجُودَ إِلَهَيْنِ ، فَإِمَّا أَنْ يَتَّفِقَا أَوْ يَخْتَلِفَا:
فِي حَالِ الِاخْتِلَافِ: لَوْ أَرَادَ1  تَحْرِيكَ جِسْمٍ، وَأَرَادَ 2 تَسْكِينَهُ فِي نَفْسِ اللَّحْظَةِ.
o إِمَّا أَنْ يَنْفُذَ مُرَادُهُمَا مَعًا: (اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ -> مُحَالٌ ذَاتِيٌّ)
o إِمَّا أَنْ لَا يَنْفُذَ مُرَادُهُمَا مَعًا: (عَجْزُ الِاثْنَيْنِ -> نَفْيُ الْأُلُوهِيَّةِ عَنْهُمَا)
o إِمَّا أَنْ يَنْفُذَ مُرَادُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ: (فَالَّذِي نَفَذَ مُرَادُهُ هُوَ الْإِلَهُ، وَالْمَقْهُورُ لَيْسَ بِإِلَهٍ)
النَّتِيجَةُ: مَفْهُومُ "إِلَهٍ مَقْهُورٍ" هُوَ مَفْهُومٌ يَنْقُضُ نَفْسَهُ، مِثْلَ "أَعْزَبٌ مُتَزَوِّجٌ"؛ فَالِامْتِنَاعُ هُنَا نَابِعٌ مِنْ "ذَاتِ" مَعْنَى الْأُلُوهِيَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي الْقَهْرَ وَالْغَلَبَةَ الْمُطْلَقَةَ.
٢. تَعْرِيفُ "الْوَاجِبِ الْوُجُودِ"
اللَّهُ تَعَالَى هُوَ "وَاجِبُ الْوُجُودِ" لِذَاتِهِ. وَمِنْ لَوَازِمِ وَاجِبِ الْوُجُودِ أَنْ يَكُونَ "غَنِيًّا عَنِ الْغَيْرِ" غِنًى مُطْلَقًا.
لَوْ وُجِدَ شَرِيكٌ، لَكَانَ الْإِلَهُ (مُفْتَقِرًا) لِهَذَا الشَّرِيكِ فِي تَعْيِينِ حُدُودِ تَصَرُّفِهِ، أَوْ كَانَ الْكَوْنُ مُوَزَّعًا بَيْنَهُمَا.
الِافْتِقَارُ يُنَاقِضُ "وُجُوبَ الْوُجُودِ"؛ فَإِذَا اجْتَمَعَ (وَاجِبُ وُجُودٍ) مَعَ (مُفْتَقِرٍ)، بَطَلَتْ حَقِيقَةُ الْأَوَّلِ.
________________________________________
٣. لِمَاذَا لَيْسَ عَرَضِيًّا؟
فالجَوبُ :  هُنَا نُفَرِّقُ بَيْن (التَّصَوُّرِ اللَّفْظِيّ)  و (َالتَّصَوُّرِ الْحَقِيقِيِّ)
أَنْتَ تَتَصَوَّرُ "شَخْصَيْنِ قَوِيَّيْنِ"، هَذَا مُمْكِنٌ لِأَنَّ قُوَّتَهُمَا مَحْدُودَةٌ.
لَكِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَصَوَّرَ "إِرَادَتَيْنِ مُطْلَقَتَيْنِ" فِي آنٍ وَاحِدٍ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ.
الْمُمْتَنِعُ الْعَرَضِيُّ: هُوَ مَا لَا يَمْنَعُ الْعَقْلُ وُجُودَهُ لِذَاتِهِ (مِثْلَ دُخُولِ كَافِرٍ لِلْجَنَّةِ)، فَالْعَقْلُ لَا يَرَى تَنَاقُضًا فِي ذَاتِ "الْجَنَّةِ" أَوْ "الْكَافِرِ"، لَكِنَّهُ مُمْتَنِعٌ لِأَنَّ خَبَرَ اللَّهِ جَاءَ بِخِلَافِهِ.
أَمَّا الشَّرِيكُ، فَالْعَقْلُ يَمْنَعُهُ قَبْلَ وُرُودِ النَّقْلِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ "الْإِلَهَ" تَنْفِي مَعْنَى "الْمُزَاحَمَةِ".
فحِينَمَا قُلْتُ: "فَذَاتِيًّا يُكَذَّبُ فِي الْخَيَالِ"، قَصَدْتُ أَنَّ الْخَيَالَ إِذَا حَاوَلَ تَرْكِيبَ صُورَةِ (إِلَهٍ كَامِلٍ) مَعَ (وُجُودِ نِدٍّ لَهُ)، سَيَجِدُ أَنَّ كَمَالَ الْأَوَّلِ يَمْحُو وُجُودَ الثَّانِي، فَلَا تَسْتَقِرُّ الصُّورَةُ أَبَدًا، فَيَكُونُ التَّكْذِيبُ نَابِعًا مِنْ "ذَاتِ" الصُّورَةِ لَا مِنْ خَبَرٍ خَارِجِيٍّ.


👁️ الـمشاهدين:
تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لِطَالِبِ الْعِلْمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

على ما يبدو أنك زائر جديد لشبكتنا، أو عضو مسجل غير مفعل للاشتراك، أو عضو مسجل ومفعل لكن غير مثبت للحضور للمجلس الحالي.

يرجى الضغط على أحد الأزرار أدناه للتوجه إلى بوابة طالب العلم وإثبات حضورك للمجلس العلمي الحالي ليتسنى لك متابعة القراءة.