جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الأيمان والنذور. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الأيمان والنذور. إظهار كافة الرسائل

أمثلة عصرية في باب النذور

 تَطْبِيقَاتٌ مُعَاصِرَةٌ لِلنّذر
1. تَعْلِيقُ التَّصَدُّقِ عَلَى ظُهُورِ نَتِيجَةِ الفَحْصِ الطِّبِّيِّ لِلأَوْرَامِ: كَمَنْ يَقُولُ حَال انْتِظَارِهِ: (لِلَّهِ عَلَيَّ بِنَاءِ مَسْجِدٍ إِنْ جَاءَتْ نَتِيجَةُ خَزْعَةِ المُخْتَبَرِ سَلِيمَةً خَالِيَةً مِنَ المَرَضِ الخَبِيثِ)؛ فَهَذَا مَحْبُوبٌ آتٍ لَيْسَ لِلْعَبْدِ فِيهِ مَدْخَلٌ، فَيَجْرِي فِيهِ التَّرَدُّدُ المَذْهَبِيُّ بَيْنَ الكَرَاهَةِ وَالإِبَاحَةِ ابْتِدَاءً، وَيَلْزَمُ حَتْمًا عِنْدَ خُرُوجِ النَّتِيجَةِ كَمَا أَرَادَ.
2. عَقْدُ النَّذْرِ مَشْرُوطًا بِقَبُولِ مَقْعَدٍ جَامِعِيٍّ فِى الدِّرَاسَاتِ العُلْيَا: كَقَوْلِ البَاحِثِ: (عَلَيَّ ذَبْحُ شَاةٍ لِلْفُقَرَاءِ إِنْ صَدَرَ قَرَارُ عِمَادَةِ القَبُولِ بِمَنْحِي المَقْعَدَ التَّنَافُسِيَّ هَذَا العَامَ)؛ حَيْثُ تَمَحَّضَ التَّعْلِيقُ عَلَى فِعْلِ جِهَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ هِيَ الجَامِعَةُ، فَهُوَ عَيْنُ صُورَةِ التَّرَدُّدِ.
3. تَعْلِيقُ النَّذْرِ البَدَنِيِّ عَلَى سَلَامَةِ الطَّائِرَةِ أَوْ رُكَّابِ السَّفِينَةِ فِي الأَحْوَالِ الجَوِّيَّةِ القَاسِيَةِ: كَمَنْ يَمُرُّ بِمَطَبَّاتٍ جَوِّيَّةٍ عَنِيفَةٍ فَيَقُولُ: (لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ إِنْ هَبَطَتِ الطَّائِرَةُ بِسَلَامٍ فِي المَطَارِ)؛ لِأَنَّ السَّلَامَةَ هُنَا مَحْبُوبٌ آتٍ لَيْسَ لِلْتَّحَكُّمِ البَشَرِيِّ فِيهِ سَبِيْلٌ مُطْلَقٌ.

الحلف بالنبي ومعتمد المالكية

  أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِالنَّبِيِّ × أَوْ الْمُصْطَفَى أَوْ الْمُخْتَارِ لَا تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ شَرْعاً، وَلَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ عِنْدَ الْحِنْثِ، وَيَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ بَيْنَ الْحُرْمَةِ وَالْكَرَاهَةِ. فقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ عُلَيْشٌ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّحْرِيمِ هُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْمَالِكِيَّةِ، مِمَّا يَجْعَلُهُ هُوَ الْمَشْهُورَ لِكَثْرَةِ الْقَائِلِينَ بِهِ، وَقَدْ عَزَّزَ هَذَا الِاتِّجَاهَ مَا حَقَّقَهُ فُحُولُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ حَيْثُ قُوَّةُ الِاسْتِدْلَالِ الْأُوصُولِيِّ، حَيْثُ بَرِهَنَ الشَّيْخُ الْعَدَوِيُّ —شَيْخُ الدَّرْدِيرِ وَالدَّسُوقِيِّ— عَلَى رُجْحَانِهِ، مُصَرِّحاً بِأَنَّهُ الرَّاجِحُ الَّذِي يَعْضُدُهُ النَّظَرُ الصَّحِيحُ. وَإِذَا اسْتَقَرَّ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ وَالرَّاجِحُ مَعاً، فَلَا مَحِيدَ عَنْ كَوْنِهِ هُوَ الْمُعْتَمَدَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَكَيْفَ لَا يُقَالُ بِاعْتِمَادِ مَا اجْتَمَعَتْ فِيهِ كَثْرَةُ الْقَائِلِينَ مَعَ قُوَّةِ الدَّلِيلِ؟ وَيُظَاهِرُ هَذَا الْمَنْزَعَ صَنِيعُ الشَّيْخِ الدَّرْدِيرِ الَّذِي صَدَّرَ الْقَوْلَ بِالْحُرْمَةِ وَأَطْلَقَهُ دُونَ تَقْيِيدٍ، وَسُكُوتُ الدَّسُوقِيِّ عَنْ تَعَقُّبِهِ يُومِئُ إِلَى التَّسْلِيمِ بِهِ، وَهُوَ مَا دَرَجَ عَلَيْهِ شُرَّاحُ الرِّسَالَةِ حِينَ جَعَلُوا التَّحْرِيمَ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ. أَمَّا قَوْلُ الْفَاكِهَانِيِّ بِالْكَرَاهَةِ، فَقَدْ وَهَّنَهُ الْمُحَقِّقُونَ، وَمَا جُنُوحُ الصَّاوِي إِلَيْهِ وَزَعْمُهُ أَنَّهُ الْمُعْتَمَدُ إِلَّا تَنْزُّلٌ عِنْدَ مَقَامِ الْفَتْوَى صِيَانَةً لِهَيْبَةِ الْعُلَمَاءِ، لَا عَلَى سَبِيلِ التَّحْقِيقِ الْمَذْهَبِيِّ الصِّرْفِ، وَشَاهِدُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّاوِيَّ قَرَّرَ مَشْهُورَ الْمَذْهَبِ بِتَفْصِيلٍ وَافٍ قَبْلَ أَنْ يَعْرِجَ عَلَى مَنْحَى الْفَاكِهَانِيِّ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى رُسُوخِ التَّحْرِيمِ فِي قَوَاعِدِ الصِّنَاعَةِ الْفِقْهِيَّةِ عِنْدَ مَنْ فَقِهَ كَيْفَ تَجْرِي أُمُورُ الْمَذْهَبِ. وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

في باب النذر مسائل اختلف فيها ترجيح الدردير عن عليش

 مُقَارَنَةُ مَوْقِفِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ الدَّرْدِيرِ فِي عَيْنِ هَذِهِ المَسَائِلِ الخَمْسِ:
سَلَكَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الدَّرْدِيرِ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ مَسْلَكًا يُخَالِفُ طَرِيقَةَ عَلِيشٍ الِاسْتِيعَابِيَّةَ؛ حَيْثُ مَشَى الدَّرْدِيرُ مَعَ "تَسْهِيلِ المَتْنِ" وَنَسَبَ تَرْجِيحَاتِهِ إِلَى أَعْلَامٍ آخَرِينَ مِنَ الشُّيُوخِ المُعْتَمَدِينَ فِي مَدْرَسَةِ الفَتْوَى، كَمَا يَتَبَيَّنُ فِي المَسَائلِ التَّالِيَةِ:
 المَسْأَلَةُ: أَهْلِيَّةُ الصَّبِيِّ المُمَيِّزِ فِي انْعِقَادِ نَذْرِ القُرَبِ المَالِيَّةِ.
 قَالَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ: «بِأَهْلِيَّةِ قُرْبَةٍ».
 عَلِيشٌ: رَجَّحَ قَوْلَ ابْنِ عَرَفَةَ وَذَلِكَ بِأَنَّ الصَّبِيَّ المُمَيِّزَ لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ المَالِيُّ لِقُصُورِ أَهْلِيَّتِهِ عَنِ التَّبَرُّعِ، وَجَعَلَ مَنَاطَ الأَهْلِيَّةِ هُوَ التَّكْلِيفُ الكَامِلُ.
 الدَّرْدِيرُ: رَجَّحَ قَوْلَ الحَطَّابِ وَذَلِكَ بِأَنَّ النَّذْرَ المَالِيَّ لِلصَّبِيِّ مَوْقُوفٌ عَلَى البُلُوغِ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلْتِزَامِ الأَمْوَالِ اسْتِقْلَالًا فِي أُصُولِ المَذْهَبِ.
 وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ: أَنَّ نَذْرَ الصَّبِيِّ عِنْدَ عَلِيشٍ تَبَعًا لِابْنِ عَرَفَةَ بَاطِلٌ لَا يَنْعَقِدُ رَأْسًا وَلَا يَصِحُّ وَلَوْ أَجَازَهُ الوَلِيُّ، بَيْنَمَا هُوَ عِنْدَ الدَّرْدِيرِ تَبَعًا لِلْحَطَّابِ مَوْقُوفٌ عَلَى البُلُوغِ، فَإِنْ بَلَغَ وَأَمْضَاهُ لَزِمَهُ.
 التَّرْجِيحُ حَسَبَ أُصُولِ المَذْهَبِ وَقَوَاعِدِ الأُصُولِ: يَتَرَجَّحُ قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ تَبَعًا لِعَلِيشٍ؛ لِأَنَّ الأَهْلِيَّةَ فِي بَابِ التَّبَرُّعَاتِ النَّذْرِيَّةِ تُنَاطُ بِخِطَابِ التَّكْلِيفِ (البُلُوغِ)، وَالنَّذْرُ سَبَبٌ مُوجِبٌ لِشَغْلِ الذِّمَّةِ، وَذِمَّةُ الصَّبِيِّ غَيْرُ صَالِحَةٍ لِلْإِلْزَامِ ابْتِدَاءً.

---

 المَسْأَلَةُ: حُكْمُ نَذْرِ اللَّجَاجِ وَالغَضَبِ وَتَخْيِيرِ النَّاذِرِ فِيهِ.
 قَالَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ: «وَصِيغَتُهُ الْتِزَامٌ».
 عَلِيشٌ: رَجَّحَ قَوْلَ ابْنِ عَرَفَةَ وَذَلِكَ بِأَنَّ نَذْرَ اللَّجَاجِ يَجْرِي مَجْرَى الْيَمِينِ، فَيُخَيَّرُ المُكَلَّفُ فِيهِ بَيْنَ الِامْتِثَالِ لِمَا أَلْزَمَهُ أَوْ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ طَرْدًا لِلْحَدِّ الشَّرْعِيِّ.
 الدَّرْدِيرُ: رَجَّحَ قَوْلَ ابْنِ رُشْدٍ وَالقَرَافِيِّ وَذَلِكَ بِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُعْطَى حُكْمَ الْيَمِينِ فِي التَّخْيِيرِ لِأَنَّ المَقْصُودَ مِنْهُ الحَثُّ أَوِ المَنْعُ لَا حَقِيقَةُ القُرْبَةِ.
 وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ: لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِيهَا فِي النَّتِيجَةِ الفِقْهِيَّةِ العَمَلِيَّةِ لِأَنَّ كِلَا الشَّيْخَيْنِ رَجَّحَا التَّخْيِيرَ لِلْنَّاذِرِ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ، وَإِنَّمَا الفَرْقُ فِي عَبَارَةِ العَزْوِ، حَيْثُ حَصَرَ عَلِيشٌ التَّصْحِيحَ فِى صِيغَةِ دِيوَانِ ابْنِ عَرَفَةَ، بَيْنَمَا عَمَّمَهُ الدَّرْدِيرُ نِسْبَةً لِابْنِ رُشْدٍ وَالقَرَافِيِّ.
 التَّرْجِيحُ حَسَبَ أُصُولِ المَذْهَبِ وَقَوَاعِدِ الأُصُولِ: يَتَرَجَّحُ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ وَالقَرَافِيِّ تَبَعًا لِلْدَّرْدِيرِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الأَلْفَاظِ الأُصُولِيَّةِ بِمَقَاصِدِهَا وَمَعَانِيهَا لَا بِمَبَانِيهَا، وَلَمَّا كَانَ البَاعِثُ هُوَ المَنْعُ الحَلِفِيُّ تَمَحَّضَتِ النِّيَّةُ لِلْيَمِينِ فَجَرَتِ الكَفَّارَةُ.

---

 المَسْأَلَةُ: لُزُومُ مَشْيِ جَمِيعِ الطَّرِيقِ ثَانِيَةً بِمَشْيِ عُقْبَةٍ وَرُكُوبِ أُخْرَى مُتَنَاصِفًا.
 قَالَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ: «وَفِي لُزُومِ الْجَمِيعِ بِمَشْيِ عَقَبَةٍ وَرُكُوبِ أُخْرَى تَأْوِيلَانِ».
 عَلِيشٌ: رَجَّحَ قَوْلَ ابْنِ عَرَفَةَ وَذَلِكَ بِأَنَّ لُزُومَ مَشْيِ الجَمِيعِ مَقْصُورٌ عَلَى حَالِ الجَهْلِ وَعَدَمِ ضَبْطِ مَوَاضِعِ الخَلَلِ، فَإِنْ ضَبَطَهَا مَشَى مَحَلَّ الرُّكُوبِ فَقَطْ وَفَاقًا لِلْمُدَوَّنَةِ.
 الدَّرْدِيرُ: رَجَّحَ قَوْلَ خَلِيلٍ فِي التَّوْضِيحِ وَالأَقْجَهْوِيِّ وَذَلِكَ بِأَنَّ المَوَازِيَّةَ حُمِلَتْ عَلَى النِّسْيَانِ فَيَكُونُ التَّأْوِيلُ الثَّانِي هُوَ الوِفَاقُ المَعْتَمَدُ حَتْمًا لِلْخُرُوجِ مِنَ التَّخَالُفِ.
 وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ: لَا فَرْقَ حَقِيقِيًّا بَيْنَ تَقْرِيرِ الشَّيْخَيْنِ فِي صِحَّةِ مَشْيِ مَوَاضِعِ الرُّكُوبِ فَقَطْ عِنْدَ الضَّبْطِ، لَكِنْ يَقَعُ الفَرْقُ فِي نِسْبَةِ هَذَا التَّأْوِيلِ التَّوْفِيقِيِّ، حَيْثُ نَصَرَهُ عَلِيشٌ بِاعْتِبَارِهِ مَنْزِعَ ابْنِ عَرَفَةَ فِى دِيوَانِهِ، بَيْنَمَا جَعَلَهُ الدَّرْدِيرُ نَقْلًا صِرْفًا عَنِ التَّوْضِيْحِ وَالأَقْجَهْوِيِّ.
 التَّرْجِيحُ حَسَبَ أُصُولِ المَذْهَبِ وَقَوَاعِدِ الأُصُولِ: يَتَرَجَّحُ تَأْوِيلُ ابْنِ عَرَفَةَ وَالتَّوْضِيحِ تَبَعًا لِلْجَمِيعِ لِاتِّفَاقِهِمَا؛ لِأَنَّ قَاعِدَةَ «إِعْمَالُ النَّصَّيْنِ أَوْلَى مِنْ إِهْدَارِ أَحَدِهِمَا» تَقْتَضِي رَفْعَ التَّعَارُضِ الصُّوَرِيِّ بَيْنَ رِوَايَةِ ابْنِ القَاسِمِ وَابْنِ المَوَازِ بِحَمْلِ اللُّزُومِ الكُلِّيِّ عَلَى عِلَّةِ جَهْلِ المَحَلِّ.

---

 المَسْأَلَةُ: حُكْمُ رُكُوبِ الطَّرِيقِ فِي حَجِّ قَضَاءِ مَنْ نَذَرَ حَجًّا مَاشِيًا صَرَاحَةً فَعَرَضَ لَهُ الفَوَاتُ.
 قَالَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ: «وَإِنْ فَاتَهُ جَعَلَهُ فِي عُمْرَةٍ وَرَكِبَ فِي قَضَائِهِ».
 عَلِيشٌ: رَجَّحَ قَوْلَ ابْنِ عَرَفَةَ وَذَلِكَ بِأَنَّ مَنْ نَذَرَ حَجًّا مَاشِيًا صَرَاحَةً يَلْزَمُهُ مَشْيُ المَنَاسِكِ فِي عَامِ القَضَاءِ بِلَا خِلَافٍ، لِأَنَّ اللَّفْظَ تَقَيَّدَ بِأَرْكَانِ الحَجِّ بَدَنِيًّا فَلَمْ تَبْرَأْ عُمْرَةُ الفَوَاتِ مِنْهَا.
 الدَّرْدِيرُ: رَجَّحَ قَوْلَ عَبْدِ الحَقِّ السِّقِلِّيِّ وَذَلِكَ بِأَنَّهُ يَرْكَبُ فِي طَرِيقِ قَضَائِهِ وَيَمْشِي فِي بَقِيَّةِ المَنَاسِكِ فَقَطْ خُرُوجًا مِنْ عَقْدِ النَّذْرِ المُعَيَّنِ.
 وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ: أَنَّ القَضَاءَ فِى المَنَاسِكِ عِنْدَ عَلِيشٍ تَبَعًا لِابْنِ عَرَفَةَ يَجِبُ فِيهِ المَشْيُ (بِلَا خِلَافٍ نَقْلِيٍِّ)، بَيْنَمَا الدَّرْدِيرُ تَبَعًا لِعَبْدِ الحَقِّ يُجِيزُ رُكُوبَ الطَّرِيقِ مَعَ إِلْزَامِ مَشْيِ المَنَاسِكِ جَعْلًا لِلْخِلَافِ رِوَايَةً فِى جَوَازِ رُكُوبِهَا.
 التَّرْجِيحُ حَسَبَ أُصُولِ المَذْهَبِ وَقَوَاعِدِ الأُصُولِ: يَتَرَجَّحُ قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ تَبَعًا لِعَلِيشٍ؛ لِأَنَّ قَاعِدَةَ «النَّذْرُ يَتَعَيَّنُ بِتَعْيِينِ المُكَلَّفِ لَفْظًا» تَمْنَعُ الرُّخْصَةَ فِي بَقِيَّةِ المَنَاسِكِ، لِأَنَّ صِفَةَ المَشْيِ حَلَّتْ فِي عَيْنِ عِبَادَةِ الحَجِّ فَلَمْ يَسْقُطْ مَشْيُهَا بِعُمْرَةٍ التَّحَلُّلِ القَاصِرَةِ بُقْعِيًّا.

---

 المَسْأَلَةُ: حُكْمُ تَعْيِينِ عَيْنِ الدِّرْهَمِ المُنْذُورِ فِي بَابِ الصَّدَقَةِ.
 قَالَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ: «وَتَعَيَّنَ فِيهِ زَمَنٌ أَوْ مَكَانٌ أَوْ دِرْهَمٌ».
 عَلِيشٌ: رَجَّحَ قَوْلَ ابْنِ عَرَفَةَ وَذَلِكَ بِأَنَّ عَيْنَ الدِّرْهَمِ المُنْذُورِ لَا يَتَعَيَّنُ ذَاتًا فِي عَقْدِ القُرْبَةِ إِذَا أُبْدِلَ بِمِثْلِهِ فِى المَالِيَّةِ لِأَنَّ المَقْصُودَ سَدُّ خَلَّةِ المَسَاكِينِ.
 الدَّرْدِيرُ: رَجَّحَ قَوْلَ ابْنِ القَاسِمِ وَذَلِكَ بِأَنَّ الدِّرْهَمَ يَتَعَيَّنُ حَتْمًا بِاللَّفْظِ جَرْيًا عَلَى ظَاهِرِ سِيَاقِ المُدَوَّنَةِ فِى بَابِ الشُّرُوطِ.
 وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ: أَنَّ النَّاذِرَ إِذَا تَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ آخَرَ مُسَاوٍ لِلْمُنْذُورِ فِي الوَزْنِ وَالقِيمَةِ، أَجْزَأَهُ ذَلِكَ عِنْدَ عَلِيشٍ تَبَعًا لِابْنِ عَرَفَةَ، بَيْنَمَا لَا يُجْزِئُهُ عِنْدَ الدَّرْدِيرِ بَلْ يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُ عَيْنِ الجِرْمِ الَّذِي عَيَّنَهُ لَفْظًا.
 التَّرْجِيحُ حَسَبَ أُصُولِ المَذْهَبِ وَقَوَاعِدِ الأُصُولِ: يَتَرَجَّحُ قَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ تَبَعًا لِعَلِيشٍ؛ لِأَنَّ المَقَاصِدَ المَالِيَّةَ فِي بَابِ النَّفَقَاتِ وَالصَّدَقَاتِ تَدُورُ مَعَ مَنَاطِ «القِيمَةِ وَسَدِّ الحَاجَةِ البَشَرِيَّةِ» لَا مَعَ عَيْنِ الأَجْرَامِ، فَالْمِثْلِيُّ يَقُومُ مَقَامَ المِثْلِيِّ فِي إِبْرَاءِ الذِّمَمِ أُصُولِيًّا.

~~~~

مسائل في النذر

 المَعْتَمَدُ: جَوَازُ إِبْدَالِ الهَدْيِ المَبِيعِ لِتَعَذُّرِ وُصُولِهِ بِالنَّوْعِ الأَفْضَلِ نُسُكًا عِنْدَ سَعَةِ الثَّمَنِ، وَتَحْرِيمُ الهُبُوطِ إِلَى الأَدْنَى مَعَ القُدْرَةِ.
 وَمِثَالُهَا: أَنْ يَنْذِرَ المُكَلَّفُ بَعْثَ شَاةٍ هَدْيًا لِمَكَّةَ فَتُصَدَّ وَتُبَاعَ فِي الطَّرِيقِ لِتَعَذَّرِ الوُصُولِ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُضِيفَ إِلَى الثَّمَنِ مِنْ مَالِهِ لِيَشْتَرِيَ بَقَرَةً أَوْ نَاقَةً (وَهِيَ الأَفْضَلُ نُسُكًا) لِيَبْعَثَهَا بَدَلًا عَنْهَا.
 المَعْتَمَدُ: أَنَّ هَذَا الجَوَازَ التَّعَادُلِيَّ لِلإِبْدَالِ بِالأَفْضَلِ مَقْصُورٌ عَلَى بَابِ الهَدْيِ وَالصَّدَقَةِ، فَيَحْرُمُ خَرْقُ الجِنْسِ فِى الفَرَسِ وَالسِّلَاحِ المُنْذُورَيْنِ فِي السَّبِيلِ.
 وَمِثَالُهَا: أَنْ يَنْذِرَ المُكَلَّفُ سِلَاحًا أَوْ فَرَسًا لِلْجِهَادِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَتَعَذَّرَ إِيصَالُهُمَا وَيُبَاعَا، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ هَدْيًا لِلْكَعْبَةِ وَلَوْ رَآهُ أَفْضَلَ بُقْعِيًّا، بَلْ يَتَعَيَّنُ شِرَاءُ آلَةِ حَرْبٍ مِنْ جِنْسِهِمَا رِعَايَةً لِمَنَاطِ النِّكَايَةِ.
 المَعْتَمَدُ: كَرَاهَةُ بَعْثِ عَيْنِ مَا لَا يُهْدَى شَرْعًا (كَالثَّوْبِ وَالعَرُوضِ) إِلَى مَكَّةَ، لِإِيهَامِ خَرْقِ سُنَّةِ الحَصْرِ فِى النَّعَمِ.
 وَمِثَالُهَا: أَنْ يَقُولَ المُكَلَّفُ: لِلَّهِ عَلَيَّ هَدْيُ هَذَا الثَّوْبِ النَّفِيسِ لِمَكَّةَ، فَيُرْسِلَ عَيْنَ الثَّوْبِ مَعَ القَافِلَةِ مَسُوقًا كَالهَدَايَا، فَيُكْرَهُ لَهُ هَذَا البَعْثُ الحِسِّيُّ لِمَا فِيهِ مِنْ إِيهَامِ العَامَّةِ بِجَوَازِ نُسُكِ غَيْرِ الأَنْعَامِ.
 المَعْتَمَدُ: عِنْدَ وُقُوعِ هَذَا البَعْثِ المَكْرُوهِ، أَوْ بَيْعِهِ فِي المَنْشَأِ، أَنَّهُ يُبَاعُ فِعْلًا وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهِ هَدْيٌ شَرْعِيٌّ مِنَ الأَنْعَامِ لِيُرَاقَ دَمُهُ فِي المَشَاعِرِ.
 وَمِثَالُهَا: أَنْ يَصِلَ الثَّوْبُ المُنْذُورُ المَبْعُوثُ فِي مَكَّةَ، فَلَا يُقَدَّمُ كَنُسُكٍ عَيْنًا، بَلْ يُبَاعُ فِى أَسْوَاقِهَا وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهِ النَّقْدِيِّ كَبْشٌ أَوْ بَقَرَةٌ فَيُهْدَى بِهَا نَحْرًا.
 المَعْتَمَدُ: فِي تَوْجِيهِ رِوَايَاتِ تَقْوِيمِ العُرُوضِ المُنْذُورَةِ عَلَى النَّفْسِ بَيْنَ بَابَيِ النُّذُورِ وَالحَجِّ هُوَ التَّأْوِيلُ الأَوَّلُ القَائِلُ بِالتَّخَالُفِ الحَقِيقِيِّ فِي الرِّوَايَاتِ دَاخِلَ المَذْهَبِ.
 وَمِثَالُهَا: أَنْ يَنْظُرَ الفَقِيهُ فِى رِوَايَةِ بَابِ النُّذُورِ الَّتِي تَمْنَعُ تَقْوِيمَ الثَّوْبِ المُنْذُورِ عَلَى النَّفْسِ، وَرِوَايَةِ بَابِ الحَجِّ الَّتِي تُجِيزُهُ، فَيَحْكُمَ بِأَنَّ المَذْهَبَ فِيهِ قَوْلَانِ مُتَخَالِفَانِ حَقِيقَةً تَبَعًا لِتَعَدُّدِ الرِّوَايَاتِ النَّقْلِيَّةِ عَنِ الإِمَامِ.
 المَعْتَمَدُ: عِنْدَ قُصُورِ ثَمَنِ المُنْذُورِ المَبِيعِ عَنِ المِثْلِ النُّزُولُ إِلَى الصِّنْفِ الأَدْنَى فَالْأَدْنَى (كَالبَقَرِ ثُمَّ الغَنَمِ عَنِ الإِبِلِ) عَمَلًا بِالمَيْسُورِ.
 وَمِثَالُهَا: أَنْ يَبِيعَ النَّاذِرُ نَاقَتَهُ المَصْدُودَةَ بِعِشْرِينَ دِينَارًا، وَيَكُونَ ثَمَنُ النَّاقَةِ فِى الحَرَمِ خَمْسِينَ، فَيَعْجِزَ عَنِ المِثْلِ، فَيَنْزِلَ إِلَى الأَدْنَى وَيَشْتَرِيَ بِالعِشْرِينَ بَقَرَةً أَوْ شَاةً جَرْيًا عَلَى المَيْسُورِ.
 المَعْتَمَدُ: مَنعُ الشَّرِكَةِ فِي جُزْءٍ مِنَ الكُرَاعِ أَوِ الخَيْلِ فِي بَدَلِ المُنْذُورِ لِلْجِهَادِ، بَلْ يُدْفَعُ النَّقْدُ القَاصِرُ مَعُونَةً لِغَازٍ مُنْفَرِدٍ.
 وَمِثَالُهَا: أَنْ يُبَاعَ فَرَسُ الجِهَادِ المُنْذُورُ بِثَمَنٍ قَاصِرٍ لَا يَفِي بِشِرَاءِ فَرَسٍ أُخْرَى، فَلَا يَجُوزُ لِلْنَّاذِرِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ نِصْفَ فَرَسٍ شَرِكَةً مَعَ غَيْرِهِ، بَلْ يَدْفَعُ النَّقْدَ لِغَازٍ فَقِيرٍ يَتَقَوَّى بِهِ فِي سَفَرِ غَزْوِهِ مُنْفَرِدًا.
 المَعْتَمَدُ: أَنَّ ثَمَنَ الهَدْيِ إِذَا عَجَزَ عَنِ الأَدْنَى نُسُكًا، يُدْفَعُ لِخَزَنَةِ الكَعْبَةِ مَشْرُوطًا بِحَاجَةِ البُنْيَانِ وَالعِمَارَةِ إِلَيْهِ.
 وَمِثَالُهَا: أَنْ يَقْصُرَ ثَمَنُ الهَدْيِ المَبِيعِ حَتَّى عَنِ الشَّاةِ، فَدَفَعَ المَبْلَغَ لِسَدَنَةِ البَيْتِ لِأَجْلِ شِرَاءِ حِجَارَةٍ أَوْ خَشَبٍ لِعِمَارَةِ جِدَارِ الكَعْبَةِ الخَرِبِ تَلْبِيَةً لِحَاجَتِهِ الحِسِّيَّةِ.
 المَعْتَمَدُ: أَنَّهُ إِذَا اسْتَغْنَتِ الكَعْبَةُ لِكَثْرَةِ مَالِهَا، حُرِمَ الدَّفْعُ لِلْخَزَنَةِ، وَتَعَيَّنَ صَرْفُ المَالِ القَاصِرِ لِمَسَاكِينِ حَرَمِ مَكَّةَ.
 وَمِثَالُهَا: أَنْ يَكُونَ جِدَارُ الكَعْبَةِ سَلِيمًا وَخَزَائِنُهَا مَلِيئَةً بِالطِّيبِ وَالكِسْوَةِ المَلَكِيَّةِ، فَيَحْرُمَ دَفْعُ النَّقْدِ القَاصِرِ لِلْخَزَنَةِ لِانْتِفَاءِ الحَاجَةِ، وَيُوزَّعَ المَالُ حَتْمًا عَلَى مَسَاكِينِ مَكَّةَ لِيَشْتَرُوا بِهِ طَعَامًا.
 المَعْتَمَدُ: حُظْرُ إِشْرَاكِ أَيِّ أَجْنَبِيٍٍّ مَعَ بَنِي شَيْبَةَ فِي سَدَانَةِ البَيْتِ الشَّرِيفِ وَفَتْحِ بَابِهِ، لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ تَوْقِيفِيَّةٌ تَأْبِيدِيَّةٌ لَهُمْ.
 وَمِثَالُهَا: أَنْ يَقُومَ بَعْضُ الحُكَّامِ بِتَوْلِيَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ عَسْكَرِهِ لِيُشَارِكُوا بَنِي شَيْبَةَ فِى حِمَايَةِ مِفْتَاحِ البَيْتِ وَتَنْظِيفِ الحَجَرِ الأَسْوَدِ، فَيَمْنَعَ الإِمَامُ مَالِكٌ ذَلِكَ التَّشْرِيكَ سِيَاسَةً لِأَنَّ المَنْصِبَ مَقْصُورٌ عَلَيْهِمْ نَبَوِيًّا.
 المَعْتَمَدُ: حُرْمَةُ أَخْذِ الخَزَنَةِ أُجْرَةً مَالِيَّةً أَو مَكْسًا مِنَ الزَّائِرِينَ لِأَجْلِ فَتْحِ بَابِ الكَعْبَةِ لَهُمْ.
 وَمِثَالُهَا: أَنْ يُغْلِقَ السَّدَنَةُ بَابَ الكَعْبَةِ فِى وُجُوهِ الحُجَّاجِ وَيَقُولُوا: Lَا نَفْتَحُ لَكُمْ إِلَّا إِذَا دَفَعْتُمْ لَنَا دِينَارًا عَنِ الرَّأْسِ، فَيَحْرُمَ ذَلِكَ الفِعْلُ عَلَيْهِمْ إِجْمَاعًا لِأَنَّهُ مَكْسٌ بَاطِلٌ فِى عِبَادَةٍ تَوْقِيفِيَّةٍ.
 المَعْتَمَدُ: لُزُومُ المَشْيِ إِلَى مَسْجِدِ مَكَّةَ فِي النَّذْرِ وَالْيَمِينِ وَلَوْ كَانَ البَاعِثُ مُجَرَّدَ صَلَاةٍ نَفْلٍ لِعُمُومِ التَّضْعِيفِ المَالِكِيِّ.
 وَمِثَالُهَا: أَنْ يَقُولَ: Lِلَّهِ عَلَيَّ المَشْيُ إِلَى مَسْجِدِ مَكَّةَ لِأُصَلِّيَ رَكْعَتَيْ تَهَجُّدٍ، فَيَلْزَمَهُ أَنْ يَشْخَصَ مَاشِيًا عَلَى قَدَمَيْهِ إِلَيْهِ رِعَايَةً لِعُمُومِ تَضْعِيفِ النَّوَافِلِ فِى المَحَلِّ المَكِّيِّ.
 المَعْتَمَدُ: أَنَّ مَنْ نَذَرَ المَشْيَ إِلَى مَكَّةَ أَوْ مَسْجِدِهَا وَهُوَ بِدَاخِلِهَا، لَزِمَهُ الخُرُوجُ رَاكِبًا لِلْحِلِّ لِيَعُودَ بِعُمْرَةٍ يَسِيرُ فِيهَا مَاشِيًا مِنْ طَرَفِ الحِلِّ.
 وَمِثَالُهَا: أَنْ يَنْذِرَ المُكَلَّفُ المَشْيَ إِلَى المَسْجِدِ الحَرَامِ وَهُوَ مُقِيمٌ فِى دَارِهِ بِمَكَّةَ، فَيَجِبَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ رَاكِبًا إِلَى التَّنْعِيمِ (الحِلِّ) ثُمَّ يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ وَيَدْخُلَ مَكَّةَ مَاشِيًا مِنْ طَرَفِ الحِلِّ لِيَصِحَّ نَذْرُهُ عِبَادَةً.
 المَعْتَمَدُ: أَنَّ هَذَا الخُرُوجَ وَالعُمْرَةَ مَقْصُورٌ عَلَى مَنْ نَذَرَ المَشْيَ لِلْبَيْتِ أَوْ لِجُزْءٍ مُتَّصِلٍ بِهِ كَالبَابِ، فَلَا شَيْءَ عَلَى مَنْ نَذَرَ المُجَاوَرَةَ لِمُنْفَصِلٍ كَزَمْزَمَ وَالصَّفَا.
 وَمِثَالُهَا: أَنْ يَقُولَ وَهُوَ فِي بِيُوتِ مَكَّةَ: Lِلَّهِ عَلَيَّ المَشْيُ إِلَى بِئْرِ زَمْزَمَ، فَلَا يَلْزَمُهُ خُرُوجٌ لِلْحِلِّ وَلَا عُمْرَةٌ وَلَا مَشْيٌ لِأَنَّ زَمْزَمَ لَيْسَتْ مُتَّصِلَةً بِبِنَاءِ الكَعْبَةِ الطَّوَافِيِّ.
 المَعْتَمَدُ: فِي مَبْدَأِ مَسَافَةِ المَشْيِ عِنْدَ الإِبْهَامِ وَغِيَابِ النِّيَّةِ هُوَ تَقْدِيمُ المَحَلِّ الَّذِي جَرَى العُرْفُ وَاعْتِيَادُ الحَالِفِينَ المَشْيَ مِنْهُ عَلَى مَوْضِعِ اللَّفْظِ.
 وَمِثَالُهَا: أَنْ يَحْلِفَ المُكَلَّفُ بِالمَشْيِ إِلَى مَكَّةَ دُوْنَ نِيَّةٍ لِمَبْدَأِ سَيْرِهِ، وَيَكُوْنُ عُرْفُ أَهْلِ بَلَدِهِ أَنَّ الحَالِفِينَ يَبْدَءُونَ المَشْيَ مِنْ مَسْجِدِ البَلَدِ الكَبِيرِ، فَيَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ البَدْءُ مِنْ ذَلِكَ المَسْجِدِ المَعْتَادِ عُرْفًا تَقْدِيمًا لِلْعَادَةِ.
 المَعْتَمَدُ: جَوَازُ رُكُوبِ البَحْرِ المَعْهُودِ المُعْتَادِ لِلْحَالِفِينَ فِى طَرِيقِهِمْ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ العَادَةَ تَقْضِي عَلَى لَفْظِ المَشْيِ المُرْسَلِ.
 وَمِثَالُهَا: أَنْ يَحْنَثَ المُلْتَزِمُ المَاشِي، وَيَكُونَ طَرِيقُ حَجِّ بَلَدِهِ مَبْنِيًّا عَلَى رُكُوبِ سُفُنِ البَحْرِ مَعْهُودًا بَيْنَ الرُّكَّابِ، فَيَجُوزَ لَهُ رُكُوبُ السَّفِينَةِ فِى البَحْرِ المَعْتَادِ دُوْنَ قَضَاءٍ لِأَنَّ العَادَةَ المَعْرُوفَةَ اسْتَثْنَتْ هَذِهِ المَسَافَةَ المَائِيَّةَ.
 المَعْتَمَدُ: أَنَّ غَايَةَ انْقِطَاعِ المَشْيِ المُلْتَزَمِ فِي النُّسُكِ تَمْتَدُّ إِلَى تَمَامِ الفَرَاغِ مِنْ رُكْنَيْ طَوَافِ الإِفَاضَةِ وَسَعْيِهِ المَقْرُونِ بِهِ.
 وَمِثَالُهَا: أَنْ يَبْلُغَ المَاشِي مَكَّةَ وَيَطُوفَ لِلْقُدُومِ وَيَسْعَى بَعْدَهُ، ثُمَّ يَخْرُجَ لِعَرَفَةَ مَاشِيًا، فَيَلْزَمَهُ الِاسْتِمْرَارُ فِى مَشْيِهِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ آخِرِ أَشْوَاطِ طَوَافِ الإِفَاضَةِ يَوْمَ العِيدِ، فَمَتَى سَلَّمَ مِنْ رَكَعَاتِ الطَّوَافِ انْتَهَتْ غَايَةُ المَشْيِ وَصَحَّ لَهُ الرُّكُوبُ.
 المَعْتَمَدُ: وُجُوبُ الرُّجُوعِ بَدَنِيًّا لِمَوْضِعِ الرُّكُوبِ مَعَ الهَدْيِ لِمَنْ رَكِبَ كَثِيرًا بِحَسَبِ المَسَافَةِ، وَالِاكْتِفَاءُ بِالهَدْيِ فَقَطْ دُوْنَ عَوْدٍ إِذَا كَانَ الرُّكُوبُ قَلِيلًا يَسِيرًا.
 وَمِثَالُهَا: أَنْ يَرْكَبَ المَاشِي مَسَافَةَ عِشْرِينَ مِيلًا مِنْ أَصْلِ خَمْسِينَ مِيلًا، فَيَجِبَ عَلَيْهِ العَوْدُ فِي زَمَنٍ قَابِلٍ إِلَى المِيلِ الَّذِي بَدَأَ الرُّكُوبَ مِنْهُ لِيَمْشِيَهُ مَعَ بَعْثِ الهَدْيِ، بِخِلَافِ رُكُوبِ المِيلِ الوَاحِدِ فَيُهْدِي فَقَطْ بِلَا رُجُوعٍ.
 المَعْتَمَدُ: حَظْرُ المُخَالَفَةِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ فِي عَامِ القَضَاءِ لِمَنْ رَكِبَ كَثِيرًا إِذَا كَانَ رُكُوبُهُ الأَوَّلُ قَدْ وَقَعَ فِي المَنَاسِكِ بِمِنًى وَعَرَفَةَ، فَيَتَعَيَّنُ الثَّانِي حَجًّا.
 وَمِثَالُهَا: أَنْ يَنْذِرَ المَشْيَ مُطْلَقًا فِى الحَجِّ، ثُمَّ يَرْكَبَ دَابَّتَهُ فِى عَرَفَةَ وَمِنًى، فَلَا يَجُوزُ لَهُ فِي عَامِ القَضَاءِ الثَّانِي أَنْ يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ لِيَقْضِيَ فِيهَا مَا رَكِبَهُ، بَلْ يَتَعَيَّنُ قَضَاؤُهُ فِي نُسُكِ الحَجِّ لِتَسْتَوْعِبَ الأَفْعَالُ عَيْنَ المَوَاضِعِ.
 المَعْتَمَدُ: سُقُوطُ فَرْضِ المَشْيِ بَدَنِيًّا فِي القَضَاءِ وَلُزُومُ الرُّكُوبِ مَعَ الهَدْيِ لِمَنْ فَرَّطَ فَتَرَكَ الخُرُوجَ فِي العَامِ المُعَيَّنِ لِغَيْرِ عُذْرٍ لِفَوَاتِ مَحَلِّ الزَّمَانِ.
 وَمِثَالُهَا: أَنْ يَقُولَ: Lِلَّهِ عَلَيَّ المَشْيُ إِلَى الكَعْبَةِ حَجًّا فِي هَذَا العَامِ، فَيَتْرُكَ الخُرُوجَ فِيهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى يَنْقَضِيَ العَامُ، فَيَسْقُطَ عَنْهُ فَرْضُ مَشْيِ الأَقْدَامِ لِفَوَاتِ الزَّمَنِ المُعَيَّنِ، وَيَقْضِي عَيْنَ نُسُكِ الحَجِّ فِي المُسْتَقْبَلِ رَاكِبًا مَعَ لُزُومِ الهَدْيِ الجَابِرِ.

أنواع الأيمان بحسب مقاصد الحالف

تَنْقَسِمُ الْأَيْمَانُ بِحَسَبِ مَقَاصِدِ الْمُكَلَّفِينَ وَجِهَاتِ تَعَلُّقِ الْأَلْفَاظِ فِيهَا إِلَى أَنْوَاعٍ مُتَعَدِّدَةٍ عِنْدَ أَهْلِ التَّحْقِيقِ كَمَا يَلِي:

1. **أَيْمَانُ الْإِثْبَاتِ أَوِ الْبِرِّ :** وَهِيَ الَّتِي يَحْمِلُ فِيهَا الْحَالِفُ نَفْسَهُ عَلَى إِيقَاعِ فِعْلٍ مَخْصُوصٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَقَوْلِهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا.

2. **أَيْمَانُ الِامْتِنَاعِ أَوِ النَّفْيِ :** وَهِيَ الَّتِي يَقْصِدُ بِهَا الْمُكَلَّفُ مَنْعَ نَفْسِهِ وَكَفَّهَا عَنْ طَلَبِ الْفِعْلِ كَقَوْلِهِ لَا أَدْخُلُ أَوْ لَا أُكَلِّمُ.

3. **أَيْمَانُ الضَّمَانِ وَالتَّكَفُّلِ :** وَهِيَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِشَغْلِ الذِّمَّةِ مَآلاً أَوْ وِسَاطَةً بِالْمُطَالَبَاتِ الْمَالِيَّةِ أَوِ الْبَدَنِيَّةِ.

4. **أَيْمَانُ الِاسْتِيتَاقِ :** وَهِيَ الَّتِي يُرَادُ بِهَا تَأْكِيدُ الْخَبَرِ الْمَاضِي أَوِ الْمُسْتَقْبَلِ لِتَقْوِيَةِ صِدْقِهِ فِي نَفْسِ السَّامِعِ.

5. **أَيْمَانُ الْغَضَبِ أَوِ اللَّجَاجِ :** وَهِيَ الَّتِي تَخْرُجُ مَخْرَجَ الزَّجْرِ وَالْحَثِّ دُونَ قَصْدِ حَقِيقَةِ الْعَقْدِ صُورَةً.

بعض المسائل التي خالفت المدونة غيرها في باب اليمين

 
هَذَا سَرْدٌ مُسْتَقِلٌّ شَامِلٌ لِلْمَسَائِلِ الَّتِي خَالَفَتْ فِيهَا الْمُدَوَّنَةُ غَيْرَهَا إِلَى الْآنَ:
·   1. مَسْأَلَةُ حِنْثِ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ فِي الْيَمِينِ الْمُطْلَقَةِ:
o  رِوَايَةُ الْمُدَوَّنَةِ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّ مَنْ حَلَفَ يَمِيناً مُطْلَقَةً (بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ) فَفَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ نَاسِياً أَوْ جَاهِلاً فإِنَّهُ يَحْنَثُ قَضَاءً، وَالْجَهْلُ وَالْخَطَأُ عِنْدَهُ مِثْلُ النِّسْيَانِ فِي الْحِنْثِ.
o  اخْتِلَافُ غَيْرِهَا مِنَ الرِّوَايَاتِ: مَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ وَأَصْبَغَ عَنْ مَالِكٍ بِعَدَمِ حِنْثِ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ، وَتَقْيِيدِ الْحِنْثِ بِالْعَمْدِ فَقَطْ.
·   2. مَسْأَلَةُ الْحِنْثِ بِأَكْلِ التَّرِكَةِ لِلْحَالِفِ عَلَى طَعَامِ الْمَيِّتِ:
o  رِوَايَةُ الْمُدَوَّنَةِ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّ الْحَالِفَ "لَا أَكَلْتُ طَعَامَهُ" لَا يَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ مَوْتِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ إِذَا أَكَلَ مِنَ التَّرِكَةِ إِلَّا إِذَا كَانَ الْمَيِّتُ مَدِيناً أَوْ أَوْصَى (لِأَنَّ الدَّيْنَ وَالْوَصِيَّةَ يَمْنَعَانِ خُلُوصَ الْمَالِ لِلْوَرَثَةِ).
o  اخْتِلَافُ غَيْرِهَا مِنَ الرِّوَايَاتِ: قَوْلُ أَشْهَبَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ مُطْلَقاً وَإِنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِالتَّرِكَةِ، لِأَنَّ الْمِلْكَ الرَّقَبِيَّ لِلْمَيِّتِ زَالَ بِمَوْتِهِ فَلَمْ يَعُدْ طَعَامَهُ لُغَةً.
·   3. مَسْأَلَةُ التَّرَاخِي فِي الْجُلُوسِ بَعْدَ دُخُولِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ:
o  قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: أَنَّ الْحَالِفَ عَلَى تَرْكِ الدُّخُولِ لَا يَحْنَثُ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وَاسْتَمَرَّ الْحَالِفُ جَالِساً مَعَهُ وَتَرَخَّى، لِأَنَّ الِاسْتِدَامَةَ لَيْسَتْ ابْتِدَاءً لِتدْخُلَ.
o  اخْتِلَافُ غَيْرِهَا مِنَ الرِّوَايَاتِ وَالْأَقْوَالِ: قَوْلُ ابْنِ يُونُسَ بِأَنَّ قِيَاسَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي مَسْأَلَةِ إِذْنِ الْخُرُوجِ لِلزَّوْجَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَحْنَثُ إِذَا جَلَسَ وَتَرَخَّى، وَمَا سَاقَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ بِأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ مَعَهُ بَعْدَ دُخُولِهِ عَلَيْهِ.
·   4. مَسْأَلَةُ الْحِنْثِ بِالْإِشَارَةِ فِي يَمِينِ تَرْكِ الْكَلَامِ:
o  قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: أَنَّ الْحَالِفَ يَحْنَثُ بِالْإِشَارَةِ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (الْبَصِيرِ سَمِيعاً كَانَ أَوْ أَصَمَّ) تَنْزِيلاً لِلْإِشَارَةِ مَنْزِلَةَ الْبَيَانِ اللَّفْظِيِّ.
o  اخْتِلَافُ غَيْرِهَا مِنَ الرِّوَايَاتِ وَالْأَقْوَالِ: رِوَايَةُ ابْنِ عَبْدُوسٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ نَفْسِهِ (خَارِجَ الْمُدَوَّنَةِ) تَقْضِي بَعَدَمِ الْحِنْثِ بِالْإِشَارَةِ مُطْلَقاً وَاسْتَظْهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ ظَاهِرِ الْإِيلَاءِ، وَقَوْلُ أَصْبَغَ مَعَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَحْنَثُ بِالْإِشَارَةِ الَّتِي يُفْهَمُ بِهَا عَنْهُ حَصْراً.
·   5. مَسْأَلَةُ قَبُولِ نِيَّةِ الْمُشَافَهَةِ فِي الْكِتَابِ قَضَاءً:
o  قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ (ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ): أَنَّ الْحَالِفَ لَا تُقْبَلُ نِيَّتُهُ فِي الْكِتَابِ إِذَا كَانَتِ الْيَمِينُ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ مُعَيَّنٍ مَعَ الرَّفْعِ قَضَاءً، بَيْنَمَا تُقْبَلُ نِيَّتُهُ هَذِهِ وَيُحَلَّفُ فِي الرَّسُولِ لِأَنَّ الرَّسُولَ لَيْسَ كَلَفْظِهِ بِخِلَافِ الْقَلَمِ.
o  اخْتِلَافُ غَيْرِهَا مِنَ الرِّوَايَاتِ وَالْأَقْوَالِ: مَا رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ نَفْسُهُ وَأَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُوَازِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُنَوَّى فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي الرَّسُولِ مَعاً بَلْ تُرَدُّ النِّيَّةُ فِيهِمَا قَضَاءً لِاسْتِوَائِهِمَا فِي نَقْضِ ظَاهِرِ الْمُقَاطَعَةِ.
·   6. مَسْأَلَةُ الْحِنْثِ بِدُخُولِ دَارِ الْجَارِ فِي يَمِينِ لَا أَدْخُلُ عَلَيْهِ بَيْتاً:
o  رِوَايَةُ الْمُدَوَّنَةِ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتاً فَدَخَلَ الْحَالِفُ عَلَى جَارٍ لَهُ بَيْتَهُ فَإِذَا فُلَانٌ فِيهِ فإِنَّهُ يَحْنَثُ، لِأَنَّ نِيَّةَ الْبُغْضِ وَسُوءِ الْعِشْرَةِ تُعَمِّمُ اللَّفْظَ إِلَى أَمَاكِنِ الِاجْتِمَاعِ الَّتِي يَشْغَلُهَا الْجِوَارُ.
o  اخْتِلَافُ غَيْرِهَا مِنَ الرِّوَايَاتِ: مَا تَعَقَّبَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ فِي النَّظَرِ التَّأْوِيلِيِّ مِنْ تَبْعِيدِ الْحِنْثِ إِذَا كَانَتِ الصِّيغَةُ مَقْصُورَةً عَلَى "بَيْتِهِ" بِالْإِضَافَةِ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، لَكِنَّ نَصَّ الْمُدَوَّنَةِ جَاءَ بِالْحِنْثِ احْتِيَاطاً.
هَذَا هُوَ الِاسْتِقْرَاءُ التَّامُّ لِكُلِّ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الشُّرُوحُ الَّتِي مَرَّتْ بَيْنَنَا فِى كِتَابِ الْأَيْمَانِ لِتَكُونَ الْمَسَائِلُ جَمِيعُهَا مَحْصُورَةً بَيْنَ يَدَيْكَ بَاشَا.
~~*~~
 


تعلق الحنث بالمواد المتولدة عن بعض

فِي حِنْثِ الْحَالِفِ عَلَى الْعِنَبِ بِأَكْلِ الزَّبِيبِ، وَبَيَانِ امْتِنَاعِ طَرْدِ الْعَكْسِ بِالْحِنْثِ فِي يَمِينِ الزَّبِيبِ بِأَكْلِ الْعِنَبِ لِتَبَايُنِ الْأَوْصَافِ وَالْحَقَائِقِ خَارِجاً. وَذَلِكَ نَظَراً لِقُرْبِ الْمَادَّةِ الْمُتَوَلِّدَةِ مِنْ أَصْلِهَا قُرْباً قَوِيّاً يُوجِبُ تَعَلُّقَ الْيَمِينِ بِهَا عُرْفاً وَشَرْعاً.
 أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ أَكْلِ الزَّبِيبِ مُطْلَقاً مَعْرِفَةً أَوْ نَكِرَةً كَقَوْلِهِ "لَا آكُلُ الزَّبِيبَ" أَوْ "لَا آكُلُ زَبِيباً"، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِشُرْبِ نَبِيذِ الزَّبِيبِ، وَهَذَا هُوَ الِاسْتِثْنَاءُ الْأَوَّلُ مِنَ الْقَاعِدَةِ السَّابِقَةِ الَّتِي مَنَعَتِ الْحِنْثَ بِالْفَرْعِ عِنْدَ غَيْبُوبَةِ مِنْ وَالْإِشَارَةِ، وَهُوَ الشَّرْطُ الْعِشْرُونَ مِنْ أَحْكَامِ عَقْدِ الْيَمِينِ وَهُوَ رِعَايَةُ الْقُرْبِ الْمَادِّيِّ الْقَوِيِّ بَيْنِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ لِتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ الذَّاتِ. وَمَعْنَاهَا : أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الَّذِي صَدَّرَهُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ قَصَرَ فِيهِ الْحِنْثَ بِمَا تَقَرَّبَ مِنَ الْفُرُوعِ، وَظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ إِبْرَاهِيمُ أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ عِنَباً حَنِثَ بِأَكْلِ الزَّبِيبِ لِأَنَّ الزَّبِيبَ عِنَبٌ مَآلاً، وَأَمَّا الْعَكْسُ وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ لَا يَأْكُلُ زَبِيباً فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْعِنَبِ لِأَنَّ الْعِنَبَ هُوَ الْأَصْلُ وَلَمْ تَتَحَقَّقْ فِيهِ صِفَةُ الْجَفَافِ وَالتَّزَبُّبِ الَّتِي انْعَقَدَ اللَّفْظُ عَلَى مَنْعِهَا، وَهَذَا هُوَ الشَّرْطُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ مِنْ أَحْكَامِ عَقْدِ الْيَمِينِ وَهُوَ ضَبْطُ جِهَةِ التَّوَلُّدِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الْإِشَارَةِ.
وَمِثَالُهَا : أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ عَلَيَّ الطَّلَاقُ لَا أَكَلْتُ زَبِيباً، فَيُؤْتَى إِلَيْهِ بِعِنَبٍ رَطْبٍ جَدِيدٍ فَيَأْكُلُهُ، فَلَا يَحْنَثُ بِهِ قَوْلاً وَاحِداً، لِأَنَّ الْعِنَبَ لَيْسَ فَرْعاً عَنِ الزَّبِيبِ بَلْ هُوَ أَصْلُهُ، خِلَافاً لِمَنْ تَوَهَّمَ سَرَيَانَ الْمَنْعِ فِى الِاتِّجَاهَيْنِ. وَمِثَالُهَا : أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ "عَلَيَّ الطَّلَاقُ لَا أَكَلْتُ زَبِيباً"، ثُمَّ يُؤْتَى بِمَاءٍ قَدْ نُقِعَ فِيهِ الزَّبِيبُ حَتَّى جَادَ حَلَاوَةً وَصَارَ نَبِيذاً (قَبْلَ أَنْ يُسْكِرَ) فَيَشْرَبَهُ، فَمَشْهُورُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِهِ لِأَنَّ أَجْزَاءَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ قَائِمَةٌ فِيهِ قُرْباً وَطَعْماً.

تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لِطَالِبِ الْعِلْمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

على ما يبدو أنك زائر جديد لشبكتنا، أو عضو مسجل غير مفعل للاشتراك، أو عضو مسجل ومفعل لكن غير مثبت للحضور للمجلس الحالي.

يرجى الضغط على أحد الأزرار أدناه للتوجه إلى بوابة طالب العلم وإثبات حضورك للمجلس العلمي الحالي ليتسنى لك متابعة القراءة.