جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.

حكم عقود الصيانة السنوية التي تدفع قيمتها مقدما

 ما حكم عقود الصيانة السنوية التي تدفع قيمتها مقدما؟

عقود الصيانة الممتدة للأجهزة والسيارات تشتمل على الغرر والجهالة، لأن المشتري يدفع مالا مقابل خدمة قد تقع وقد لا تقع، فتجرى على منع بيع الغرر، إلا إذا كانت تابعة لعين مشتراة فيغتفر فيها اليسير.

تأصيل هذه المسألة يبنى على قاعدة التبعية واستقلال العقود عند المالكية، ولها تفصيل في النوازل المعاصرة.

عقد الصيانة الممتدة إذا أفرد بعقد مستقل، كان الغرر فيه مؤثرا ومنوعا؛ لأن العقد يتمحور حول بذل مال في مقابل عمل قد يحتاج إليه المشري وقد لا يحتاج إليه مطلقا، فهذا غرر محض في المعقود عليه.

أما إذا كانت الصيانة الممتدة تابعة لعين مشتراة، كأن يشتري المرء سيارة أو جهازا ويكون في صلب العقد شرط الصيانة لمدة معلومة، فإن الغرر في هذه الحالة يغتفر على مشهور المذهب؛ لأن المقصود الأعظم من العقد هو العين المستقرة (السيارة أو الجهاز)، والصيانة جاءت تبعا لا استقلالا.

القاعدة الفقهية المقررة في هذا الباب تفيد أن "يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها"، فالغرر اليسير أو المتوسط الذي يكتنف الصيانة يضمحل في جنب المصلحة العظمى المتحققة من بيع العين، ولا يفسد العقد مادام لم يخرج البيع عن مقصوده الأصلي.

التفرقة الفقهية

1. الصورة الأولى التي تدفع فيها الشركة ضمانا مجانيا مع العين المشتراة (لسنة أو أكثر) تندرج فقهيا تحت باب "الضمان" أو "الكفالة" التابعة للعقد، وهي مشروعة ومغتفرة لأنها دخلت في ثمن العين الأصلي، وهي من التوابع التي يغتفر فيها الغرر.

2. الصورة الثانية، وهي التي تسمى في العرف المعاصر "عقود الصيانة الممتدة المستقلة"، فهي التي يقع فيها الإشكال؛ لأنها تبرم بعد انقضاء مدة الضمان المجاني، أو تبرم مع شركة صيانة ثالثة لا علاقة لها ببائع العين، فيدفع العميل مبلغا مقطوعا سنويا مقابل إصلاح أي عطل قد يحدث.

تفصيل الدفع على القطع ومجانية الأجور، أو المجانية الكاملة، يجرى على القواعد الآتية:

إذا كانت الصيانة مستقلة والأجور مجانية لكن قطع الغيار على العميل، فإن الجهالة تخف في جانب وتظل في جانب آخر، وهي صراع بين الجواز والمنع، والمنع فيها أظهر على مشهور المذهب لشبهها ببيع القمار (يدفع مالا لعله يستفيد من جهد العامل ولعله لا يستفيد).

إذا كانت الصيانة المستقلة شاملة للأجور والقطع معا، فإن الغرر يصل إلى أعلى درجاته؛ لأن المشتري يجهل عدد الأعطال، ويجهل نوعية وعدد قطع الغيار التي ستحتاجها العين، فيصير العقد معاوضة على مجهول محض من الطرفين.

الصورة الثانية التي تمثل عقد الصيانة المستقل بدفع مبلغ مقطوع مقدما، لا يمكن القول بأنها محرمة اتفاقا أو قولا واحدا في المذهب، بل هي محل نظر واجتهاد بين المعاصرين من فقهاء المالكية بناء على تخريج الفروع على الأصول، وذلك لاعتبارين:

الاعتبار الأول يرجع إلى تكييف العقد على أنه "إجارة"، والإجارة يشترط فيها العلم بالعمل والعلم بالأجر، فمنعها بعض الباحثين لوجود الغرر الناشئ عن جهالة العمل (هل ستحتاج العين صيانة أم لا؟ وما مقدارها؟).

الاعتبار الثاني يخرج المسألة على قاعدة "الغرر اليسير المعفو عنه" وقاعدة "المصالح المرسلة" وحاجة الناس المستقرة، فبعض الفقهاء المعاصرين يرى جواز هذه العقود المستقلة إذا جرت في أشياء يغلب على الظن احتياجها للصيانة الدورية (كالسيارات والمصاعد والأجهزة المعقدة)، لأن الغرر هنا ينقلب من غرر فاحش مؤثر إلى غرر يسير أو متوسط تقتضيه المصلحة وتدعو إليه الحاجة، والحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة.

لذلك، المسألة فيها خلاف معاصر في التخريج الفقهي على أصول المذهب، والقول بالتحريم قولا واحدا أو بالاتفاق فيه نظر، بل الظاهر أن المنع هو الأقرب لقواعد المذهب عند عدم الحاجة، والجواز هو المفتى به عند جني المصلحة وأمن الغرر الفاحش.

الترجيح في هذه المسألة 

ينبني على النظر في قوة الدليل الأصولي ومدى تأثير الغرر في عقود المعاوضات المستقلة، والظاهر الأقرب لأصول المذهب المالكي هو القول بالمنع في عقود الصيانة المستقلة الشاملة، ويستدل لهذا الترجيح بالعلل الأصولية الآتية:

أولا: إعمال قياس العلة على بيوع الغرر والمخاطرة؛ فإن العلة المؤثرة في منع بيع الغرر هي تردد العقد بين الغنم والغرم، وهذه العلة متحققة بكامل وصفها في عقد الصيانة المستقل، إذ يدفع العميل مالا محققا في مقابل عمل ومواد موهومة، فقد يغنم بإصلاح أعطال جسيمة تفوق ما دفعه، وقد يغرم بضياع ماله كاملا دون حصول أي عطل، والتردد بين الغنم والغرم هو حقيقة الميسر.

ثانيا: تقديم دلالة النهي على المصلحة المرسلة؛ فالقول بالجواز اعتمد على فتح ذرائع المصلحة والحاجة، لكن الأصول المقررة تفيد أن المصلحة إذا صادمت نصا خاصا أو قاعدة كلية مقطوعا بها كانت مصلحة ملغاة، والنهي عن بيع الغرر ثابت في السنة الثابتة مطلقا، فلا تخصع هذه الكلية للمصلحة الظنية.

ثالثا: عدم تنزيل هذه المعاملة منزلة الحاجة العامة؛ لأن الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة يشترط فيها أن يترتب على تركها حرج وضيق عام، والأمر في الصيانة المستقلة ليس كذلك، إذ يمكن للمستأجر أو المشتري الاعتماد على الإجارة المشروعة عند وقوع العطل حقيقة، فيدفع أجر العمل ويمتلك قطع الغيار بعقد معلوم مستقر، وبوجود هذا البديل الشرعي يسقط الاستدلال بالحاجة.


حكم التعامل بالعملات الرقمية المشفرة (كالبتكوين)

 ما حكم التعامل بالعملات الرقمية المشفرة (كالبتكوين)؟

التعامل بالعملات الرقمية المشفرة لا يجوز على مشهور المذهب، نظرا لانتفاء الثمنية شرعا لعدم اعتمادها من الجهات الرسمية، فضلا عن تحقق علة الغرر الكبير والجهالة في حقيقتها وقيمتها، مما يلحقها ببيوع المخاطرة والميسر.

تحقيق القول في هذه المسألة يستدعي النظر في حقيقة "الثمنية" عند المالكية، والفرق بين الثمنية الحقيقية (كالذهب والفضة) والثمنية الحكمية (كالنقود الورقية والاصطلاحية).

النقود الورقية الحالية (كالدولار وغيره) وإن كانت غير مدعومة بالذهب، إلا أنها تستمد ثمنيتها الحكمية من "السلطنة" أي إلزام القانون والشرعية الدولية، وجعلها معيارا عاما لتقييم السلع وضمان الحقوق، وهو ما يرفع عنها الجهالة والغرر ويحقق بها معنى "الرواج" المستقر.

أما العملات الرقمية المشفرة، فلم يتحقق فيها هذا الشرط على مشهور المذهب لعدة اعتبارات:

أولا: الثمنية الحكمية عند المالكية لا تثبت بمجرد تراضي أفراد طائفة معينة على اتخاذ شيء ثمنًا في سوق خاصة (كالبورصات الرقمية)، بل تفتقر إلى الاستقرار العام والاعتراف السيادي الذي يحمي التمويل ويمنع تبخر الثروات فجأة.

ثانيا: قياسها على الدولار غير المدعوم بالذهب فيه نظر؛ لأن الدولار مدعوم بقوة اقتصاد دولة، ومحمٍ بقوانينها ومؤسساتها، وتضمن الدولة الوفاء به في المعاملات، بينما العملات الرقمية تفتقر إلى جهة ضامنة أو مرجعية قانونية تحمي المستهلك عند الانهيار.

ثالثا: التداول في البورصات لا يمنح الشيء ثمنية شرعية حكمية، بل قد يكون مجرد مضاربة على "أصول رقمية" مجهولة الحقيقة، والمالكية يشترطون في الثمن أن يكون مأمونا من الغرر العظيم، والتقلبات الحادة للعملات الرقمية تنقلها من مسمى "الثمن" إلى مسمى "المخاطرة والقمار".

أسئلة في التيمم

 السؤال الأول: ما حكم تيمم الحاضر الصحيح لصلاة الجمعة إذا خشي فواتها؟

الجواب: لا يجوز للحاضر الصحيح أن يتيمم لأداء الجمعة خوفًا من فواتها، بل يجب عليه الوضوء بالماء، فإن فاتته الجمعة صلاها ظهرًا.

السؤال الثاني: هل يجوز للحاضر الصحيح أن يتيمم لصلاة الجنازة إذا خاف أن تفوته؟

الجواب: لا يجوز له التيمم لمجرد خوف فوات صلاة الجنازة مع وجود الماء وقدرته على استعماله، إلا إذا تعينت عليه الصلاة عليها ولم يوجد غيره، فيجوز له التيمم حينئذٍ.

السؤال الثالث: هل يشرع للحاضر الصحيح أن يتيمم لصلاة النافلة عند فقد الماء؟

الجواب: يجوز للحاضر الصحيح أن يتيمم للنافلة إذا فقد الماء أو عجز عن استعماله لعذر معتبر، ولا يجوز له التيمم لها مع وجود الماء وقدرته على استعماله.


أجوبة لمسائل شائعة

ما حكم من أحدث في صلاته ناسيا؟
من أحدث في صلاته ناسيا بطلت صلاته ووجب عليه الاستئناف، لأن الطهارة شرط من شروط صحة الصلاة مطلقا، والنسيان لا يسقط الشرط في العبادات بل يسقط الإثم فقط، وهو ما صرح به الشيخ خليل.
ما الحكم إذا عجز المصلي عن الركوع والسجود؟
إذا عجز المصلي عن الركوع والسجود وقدر على القيام، وجب عليه أن يصلي قائما ويومئ بالركوع والسجود، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه، لأن الميسور لا يسقط بالمعسور، وهذا بناء على القاعدة الفقهية المطردة في المذهب.
هل يجب الترتيب بين الفوائت الحاضرة؟
الترتيب بين الحاضرة واليسير من الفوائت، كخمس صلوات فأقل، واجب وجوبا شرطيا على مشهور المذهب المعتمد، فمن ذكر صلاة فائتة يسيرة وهو في صلاة حاضرة قطب صلاته ليرتبها.
ما حكم طهارة الماء الذي وقعت فيه نجاسة ولم تغيره؟
الماء الكثير إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغير أحدا أوصافه الثلاثة، من طعم أو لون أو ريح، يعتبر طاهرا مطهرا على مشهور المذهب، لعدم تحقق علة التنجيس وهي التغير، ويجرى فيه قياس العلة على النظائر المستقرة.

هل المحراب من المسجد - ٢

قراءة مالكية في إشكالية التحبيس والتبعية
.... ومن هنا فإن دراسة المحراب المجوف لا ينبغي أن تكون دراسة معمارية محضة، بل ينبغي أن تدرج ضمن باب أوسع هو باب "حدود المسجد وأحكام الزيادات والتوابع".
أولاً: ما المقصود بالمحراب؟
من أهم ما يجب البدء به تحرير المصطلح.
فلفظ "المحراب" في التراث الإسلامي ليس له معنى واحد.
فقد يطلق على:
  • صدر المسجد.
  • موضع الإمام.
  • موضع العبادة والخلوة.
  • البناء المجوف الموجود في جدار القبلة.
وحين نقرأ النصوص الواردة عن السلف أو في كتب اللغة أو التفسير أو الحديث، فإن الأصل ألا نحمل لفظ المحراب على المعنى الاصطلاحي المتأخر إلا بدليل.
ولهذا فإن كثيرًا من النقول التي يستدل بها على المحاريب لا تتحدث أصلًا عن المحراب المجوف المعروف في المساجد اليوم، وإنما تتحدث عن موضع الإمام أو صدر المسجد.
وهنا يقع أول أبواب التلبيس في هذه المسألة.
ثانياً: هل كان في مسجد النبي ﷺ محراب مجوف؟
الجواب: لا.
فالثابت تاريخيًا أن مسجد النبي ﷺ لم يكن يحتوي على محراب مجوف في جدار القبلة كما هو معروف في عمارة المساجد المتأخرة.
وكان النبي ﷺ يصلي في موضع معلوم من المسجد دون أن يكون هناك تجويف في الجدار.
ولهذا فإن الاحتجاج بكون النبي ﷺ كان له "محراب" لإثبات مشروعية المحراب المجوف أو لإثبات أحكامه الفقهية يحتاج أولًا إلى إثبات أن المراد بالمحراب في تلك النصوص هو المحراب المجوف، وهو أمر غير صحيح.
كما أنه لا يثبت فيما نعلم أن موضع صلاة النبي ﷺ كان حفرة في الأرض أو مكانًا منخفضًا عن المأمومين.
فهذا الوصف لا يعرف في المصادر التاريخية المعتمدة المتعلقة ببناء المسجد النبوي.
ثالثاً: منشأ الخلاف المالكي
المتأمل في كلام المالكية يلاحظ أن الخلاف ليس في موضع الإمام، وإنما في المحراب المجوف نفسه.
وقد نقل المتأخرون وجود خلاف:
هل المحراب من المسجد أم لا؟
لكن التأمل في هذا الخلاف يكشف أن السؤال الحقيقي ليس:
هل المحراب مكان صالح للصلاة؟
ولا:
هل الإمام يصلي فيه؟
وإنما السؤال هو:
هل هذا الجزء داخل في المسجدية شرعًا أم لا؟
ومن هنا فإن الخلاف يرجع في جوهره إلى مفهوم المسجد وحدوده.
رابعاً: التحبيس هو مفتاح المسألة
في تقديري أن أقوى مدخل لفهم هذه المسألة هو مدخل التحبيس.
فالمالكية من أكثر المذاهب عناية ببحث حدود الوقف وآثاره.
وعندهم أن المسجد إنما يثبت له حكم المسجدية بسبب التحبيس.
فإذا حُبس مكان لله تعالى صار مسجدًا.
ومن هنا ينشأ السؤال:
هل المحراب المجوف داخل فيما وقع عليه التحبيس أم لا؟
فإن كان داخلًا فيه فهو من المسجد.
وإن لم يكن داخلًا فيه فكيف يثبت له حكم المسجدية؟
وهكذا يتحول النزاع من كونه نزاعًا معماريًا إلى كونه نزاعًا وقفيًا.
بل إن كثيرًا من الإشكالات التي أثيرت حول المحراب لا يمكن فهمها إلا من خلال هذا المنظور.
خامساً: هل يكفي اتصال المحراب بالبناء؟
من أشهر الحجج التي يمكن أن تقال:
إن المحراب متصل بالمسجد اتصالًا تامًا، فهو جزء منه.
لكن هذه الحجة ليست حاسمة.
لأن مجرد الاتصال بالبناء لا يكفي دائمًا لإثبات المسجدية.
فقد توجد مواضع متصلة بالمسجد ولا تكون من المسجد.
ولهذا احتاج الفقهاء إلى البحث في الرحاب، والمنارات، والبيوت الملحقة، والمخازن، وغيرها.
فلو كان مجرد الاتصال كافيًا لما وقع الخلاف أصلًا.
ومن هنا فإن الاتصال قد يكون قرينة، لكنه ليس وحده الدليل الحاسم.
سادساً: القياس على سطح المسجد
من الحجج التي يمكن أن تذكر في هذا الباب قياس المحراب على سطح المسجد.
فكما أن السطح من المسجد، فكذلك المحراب.
غير أن هذا القياس يواجه إشكالًا مهمًا.
فإن السطح جزء من العين المحبسة نفسها.
أما المحراب فكونه داخلًا في العين المحبسة هو محل النزاع.
فالعلة الموجودة في الأصل ليست متحققة في الفرع على وجه الاتفاق.
ولهذا يمكن الاعتراض بأن القياس مع الفارق.
بل إن بعض الباحثين قد يقول:
إن القياس هنا لا يحل المشكلة، لأن النزاع إنما هو في تحقق علة الأصل في الفرع.
ومع ذلك فإن هذا الفارق قد يعد غير مؤثر عند من يرى أن المحراب تابع للمسجد تبعية كاملة.
لكن يبقى القياس غير حاسم في أصل النزاع.
سابعاً: حجج أخرى لإلحاق المحراب بالمسجد
يمكن الاستدلال على كون المحراب من المسجد بعدة وجوه:
1. التبعية العرفية
فالمحراب لا يستقل عن المسجد عرفًا.
ولا يفهم الناس أنه بناء مستقل.
بل يرونه جزءًا من المسجد.
2. الاختصاص
فالمحراب لا وظيفة له خارج المسجد.
وهو مختص بالصلاة والإمامة.
بخلاف كثير من الملحقات الأخرى.
3. وحدة المقصود
فالمحراب إنما أنشئ لخدمة الصلاة.
وهو تابع لمقصود المسجد لا لمقصود آخر.
4. اتصال الصفوف
فالإمام يقف فيه وتنتظم خلفه الصفوف.
والعمل المستمر في الأمة على ذلك.
وهذا يقوي معنى التبعية.
إلا أن هذه الحجج جميعًا لا تنهي النزاع عند من يجعل التحبيس هو الأصل.
ثامناً: علاقة المحراب بالتوسعات والرحاب
هنا نصل إلى النقطة الأهم.
فمسألة المحراب ليست في الحقيقة مسألة مستقلة.
بل هي صورة من صور إشكالية أكبر.
وهي:
هل كل زيادة تلحق بالمسجد تصبح مسجدًا؟
فلو نظرنا إلى:
  • الرحاب.
  • القاعات الملحقة.
  • الأروقة.
  • السراديب.
  • الطوابق العليا.
  • التوسعات اللاحقة.
لوجدنا أن الفقهاء ناقشوا أحكامها بالطريقة نفسها تقريبًا.
هل تدخل في المسجد؟
أم لا تدخل؟
وما هو معيار الدخول؟
هل هو الاتصال؟
أم التحبيس؟
أم التخصيص؟
أم العرف؟
ومن هنا يمكن القول إن المحراب ليس إلا تطبيقًا جزئيًا لقاعدة عامة تتعلق بحدود المسجد.
تاسعاً: أثر هذه المسألة في الفقه
ليست المسألة نظرية محضة.
بل ينبني عليها عدد من الأحكام.
مثل:
  • الاعتكاف.
  • أحكام اللبث في المسجد.
  • بعض أحكام الطهارة.
  • حدود الخروج من المسجد أثناء الاعتكاف.
ولذلك اهتم بها الفقهاء وأثبتوا فيها الخلاف.
ولو كانت مجرد مسألة شكل معماري لما استحقت كل هذا البحث.
عاشراً: التلبيس المعاصر في دراسة المحراب
من أبرز ما يلاحظ في بعض الكتابات المعاصرة أنها تتعامل مع المحراب المجوف وكأنه هو المحراب المعروف منذ العصر النبوي.
وهذا يوقع في عدة أخطاء:
أولها: حمل ألفاظ السلف على اصطلاح حادث.
وثانيها: الخلط بين الموضع النبوي للصلاة وبين التجويف المعماري.
وثالثها: اعتبار الخلاف الفقهي متعلقًا بالمحراب مطلقًا، مع أن محل الخلاف هو صورة خاصة منه.
ولهذا فإن الدراسة العلمية الرصينة لا بد أن تبدأ بتحرير المصطلحات قبل مناقشة الأحكام.
خاتمة
يتبين من خلال هذا العرض أن المحراب المجوف ليس مجرد عنصر معماري في بناء المسجد، بل هو مدخل إلى إشكالية فقهية أوسع تتعلق بمفهوم المسجد وحدوده وأحكام توابعه وزياداته.
كما يتبين أن أصل الخلاف المالكي لا يدور حول صلاحية المحراب للصلاة، وإنما حول ثبوت المسجدية له، وأن مفتاح فهم المسألة هو النظر في التحبيس وحدود الوقف.
ومن هنا فإن إدراج المحراب ضمن باب "حدود المسجد وأحكام الزيادات" أقرب إلى منهج الفقهاء من دراسته باعتباره مسألة مستقلة منفصلة عن هذا السياق العام.
وبذلك يظهر أن كثيرًا من الحجج المتداولة في المسألة لا تحسم النزاع ما لم تحرر أولًا العلاقة بين المحراب والتحبيس، وبين التبعية المعمارية والتبعية الوقفية، وهي العلاقة التي تشكل جوهر البحث كله.
تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لِطَالِبِ الْعِلْمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

على ما يبدو أنك زائر جديد لشبكتنا، أو عضو مسجل غير مفعل للاشتراك، أو عضو مسجل ومفعل لكن غير مثبت للحضور للمجلس الحالي.

يرجى الضغط على أحد الأزرار أدناه للتوجه إلى بوابة طالب العلم وإثبات حضورك للمجلس العلمي الحالي ليتسنى لك متابعة القراءة.