الْمَسَائِلُ الثَّلَاثَ عَشْرَةَ الَّتِي يُجْبَرُ فِيهَا الْإِنْسَانُ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ شَرْعًا
(وَهِيَ مَحَارِزُ الْجَبْرِ بِحَقٍّ الَّتِي تُخَالِفُ الْجَبْرَ الْحَرَامَ) تَعُودُ جَمِيعُهَا إِلَى مَنَاطِ "تَقْدِيمِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ الْقَاطِعَةِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ، أَوْ دَفْعِ الظُّلْمِ وَالْجِنَايَةِ عَنِ الْغَيْرِ".
وَقّدْ نَظَمَها الإمامُ الرَّهونيُّ المالِكيُّ بأبْياتٍ
1. جَبْرُ الْمِدْيَانِ لِوَفَاءِ الْغُرَمَاءِ
وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: يُجْبِرُ الْقَاضِي الْمِدْيَانَ (الْمُمَاطِلَ أَوِ الْمُفْلِسَ) عَلَى بَيْعِ عُرُوضِهِ وَعَقَارِهِ لِتَسْدِيدِ حُقُوقِ الدَّائِنِينَ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَهُ ظُلْمٌ لِحَدِيثِ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ»، وَفِيهِ تَقْدِيمُ حَقِّ الْمَظْلُومِينَ عَلَى رِغْبَةِ الظَّالِمِ.
2. بَيْعُ مَالِ الْمُمْتَنِعِ عَنِ النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ
وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: مَنْ جَبُرَ نَفْسَهُ عَنِ النَّفَقَةِ عَلَى زَوْجَتِهِ، أَوْ أَوْلَادِهِ، أَوْ أَبَوَيْهِ، بَاعَ الْحَاكِمُ مَالَهُ جَبْرًا لِإِنْفَاقِهِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ حِفْظَ النُّفُوسِ عَنِ الْهَلَاكِ وَالضَّيَاعِ وَاجِبٌ مُقَدَّمٌ، وَالْإِنْفَاقُ حَقٌّ لَازِمٌ لَا يَسْقُطُ بِالِامْتِنَاعِ.
3. بَيْعُ الْأَرْضِ لِتَوْسِعَةِ مَسْجِدِ الْجُمُعَةِ
وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: إِذَا ضَاقَ مَسْجِدُ الْجُمُعَةِ (الْجَامِعُ) بِالْمُصَلِّينَ، أُجْبِرَ صَاحِبُ الْأَرْضِ الْمُجَاوِرَةِ عَلَى بَيْعِهَا لِلْمَسْجِدِ بِقِيمَتِهَا؛ تَقْدِيمًا لِمَصْلَحَةِ إِقَامَةِ الشَّعِيرَةِ الْعَامَّةِ لِلْأُمَّةِ عَلَى مَصْلَحَةِ الْفَرْدِ فِي مِلْكِهِ، مَعَ تَعْوِيضِهِ الْعَادِلِ.
4. بَيْعُ الْأَرْضِ لِتَوْسِعَةِ الطَّرِيقِ الْعَامَّةِ
وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: يُجْبِرُ الْإِمَامُ صَاحِبَ الْعَقَارِ عَلَى دَفْعِ جُزْءٍ مِنْ أَرْضِهِ لِتَوْسِعَةِ سَبِيلِ النَّاسِ إِذَا ضَاقَتْ بِهِمْ وَأَضَرَّتْ بِمُرُورِهِمْ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُرُورِ لِلْكَافَّةِ أَعْلَى رُتْبَةً مِنْ حَقِّ الِاخْتِصَاصِ لِلْآحَادِ، وَالضَّرَرُ الْعَامُّ يُزَالُ بِتَحَمُّلِ الضَّرَرِ الْخَاصِّ.
5. بَيْعُ الْأَرْضِ لِتَوْسِعَةِ الْمَقْبَرَةِ
وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: إِذَا غَصَّتْ مَقَابِرُ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُوجَدْ مَدْفَنٌ، أُجْبِرَ مَالِكُ الْأَرْضِ الْمُلَاصِقَةِ عَلَى الْبَيْعِ لِدَفْنِ الْمَوْتَى؛ لِأَنَّ دَفْنَ الْمُسْلِمِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِصِيَانَةِ حُرْمَةِ الْآدَمِيِّ، فَصَارَ الْبَيْعُ هُنَا مُتَعَيِّنًا لِلضَّرُورَةِ.
6. جَبْرُ الْمُحْتَكِرِ عَلَى بَيْعِ الطَّعَامِ عِنْدَ الْحَاجَةِ
وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: مَنْ حَبَسَ الْأَقْوَاتَ وَالطَّعَامَ عَنِ النَّاسِ فِي زَمَنِ الْغَلَاءِ وَالضِّيقِ رَجَاءَ زِيَادَةِ الثَّمَنِ، أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ إِلَى السُّوقِ وَبَاعَهُ جَبْرًا بِثَمَنِ الْمِثْلِ؛ زَجْرًا لَهُ عَنِ الْإِضْرَارِ، وَدَفْعًا لِلْمَخْمَصَةِ وَالْهَلَاكِ عَنِ الْأُمَّةِ.
7. بَيْعُ الْكَافِرِ لِعَبْدِهِ الْمُسْلِمِ أَوْ الصَّغِيرِ أَوْ الْمُصْحَفِ
وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: إِذَا مَلَكَ الْكَافِرُ مُصْحَفًا، أَوْ عَبْدًا مُسْلِمًا، أَوْ صَبِيًّا صَغِيرًا، أُجْبِرَ قَضَاءً عَلَى بَيْعِهِ لِلْمُسْلِمِينَ فَوْرًا؛ لِأَنَّ مَنَاطَ الْحُكْمِ هُوَ قَطْعُ سَبِيلِ الْوِلَايَةِ وَالِاسْتِعْلَاءِ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِ عَلَى شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}.
8. بَيْعُ مَالِ مُلْتَزِمِ الْإِقْلِيمِ لِوَفَاءِ الْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ الْحَقِّ
وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: إِذَا جَبَى عَامِلُ الْبَلَدِ أَوِ الْمُلْتَزِمُ الْأَمْوَالَ الْعَامَّةِ مِنَ الْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ الْحَقِّ ثُمَّ عَجَزَ أَوْ امْتَنَعَ عَنْ أَدَائِهَا لِبَيْتِ الْمَالِ، بَاعَ السُّلْطَانُ عُرُوضَهُ جَبْرًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ تَتَعَلَّقُ بِهَا مَصَالِحُ الثُّغُورِ وَالْجُيُوشِ وَالْمَنَافِعِ الْكُلِّيَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ.
9. جَبْرُ صَاحِبِ الْمَاءِ عَلَى بَيْعِهِ لِمَنْ بِهِ عَطَشٌ أَوْ لِزَرْعِهِ
وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: إِذَا مَلَكَ رَجُلٌ بِئْرًا أَوْ عَيْنَ مَاءٍ وَفَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ، وَاحْتَاجَ جَارُهُ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ لِسَقْيِ نَفْسِهِ أَوْ دَوَابِّهِ أَوْ زَرْعِهِ الْمُشْرِفِ عَلَى الْهَلَاكِ، أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِ الْفَضْلِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ أَصْلُ الْحَيَاةِ، وَالْمَنْعُ فِيهِ يُفْضِي إِلَى إِهْلَاكِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ مَعَ وُجُودِ الْغِنَى عَنْهُ.
10. بَيْعُ مِلْكِ صَاحِبِ الْفَدَّانِ فِي رَأْسِ الْجَبَلِ لِلْحِرَاسَةِ
وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: إِذَا احْتَاجَ عَسْكَرُ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَهْلُ الثَّغْرِ إِلَى إِقَامَةِ حِصْنٍ أَوْ مَوْقِعٍ لِلْحِرَاسَةِ مِنَ الْعَدُوِّ فِي أَرْضِ رَجُلٍ (كَفَدَّانٍ فِي رَأْسِ جَبَلٍ)، أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهَا لِلسُّلْطَانِ بِقِيمَتِهَا؛ لِأَنَّ حِمَايَةَ بَيْضَةِ الْإِسْلَامِ وَصَدَّ الْعَدُوِّ عَنِ الدِّمَاءِ أَعْظَمُ الْفُرُوضِ، فَتَبْطُلُ فِيهَا خُصُوصِيَّةُ الْمِلْكِ دَفْعًا لِلِاسْتِئْصَالِ.
11. جَبْرُ صَاحِبِ الْفَرَسِ أَوِ الْجَارِيَةِ إِذَا طَلَبَهَا السُّلْطَانُ لِدَفْعِ ضَرَرٍ عَامٍّ
وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: إِذَا تَعَيَّنَتْ دَابَّةُ رَجُلٍ (كَفَرَسٍ سَرِيعٍ لِلْبَرِيدِ) أَوْ أَمَتُهُ لِحَاجَةٍ سُلْطَانِيَّةٍ قَاطِعَةٍ يَتَرَتَّبُ عَلَى عَدَمِ دَفْعِهَا إِضْرَارٌ عَامٌّ بِالْمُسْلِمِينَ، أُجْبِرَ عَلَى دَفْعِهَا بِالْقِيمَةِ؛ عَمَلًا بِقَاعِدَةِ أَنَّ لِلْإِمَامِ الْعَادِلِ التَّصَرُّفَ فِي أَمْوَالِ الرَّعِيَّةِ عِنْدَ تَعَيُّنِ الْمَصْلَحَةِ الْعُلْيَا الَّتِي لَا تَنْدَفِعُ بِغَيْرِهَا.
12. جَبْرُ صَاحِبِ الْعِلْجِ عَلَى بَيْعِهِ لِفِدَاءِ أَعْيَانِ الْمُسْلِمِينَ
وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: إِذَا طَلَبَ الْعَدُوُّ عَلْجًا (أَسِيرًا أَوْ عَبْدًا كَافِرًا) مُعَيَّنًا فِي مِلْكِ مُسْلِمٍ، وَشَرَطُوا أَنَّهُ لَا فِكَاكَ لِأَسْرَى الْمُسْلِمِينَ إِلَّا بِهِ، أُجْبِرَ سَيِّدُهُ عَلَى بَيْعِهِ لِبَيْتِ الْمَالِ لِيُفَادَى بِهِ؛ لِأَنَّ فِكَاكَ الْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ وَاجِبٌ يَتَعَلَّقُ بِحُرِّيَّتِهِ وَدِينِهِ، فَيُرْجَحُ عَلَى مِلْكِيَّةِ الرَّقِيبِ لِلْعَبْدِ، وَيُعْطَى سَيِّدُهُ الْأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ ثَمَنِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
13. بَيْعُ مَسْلَكِ الْمَاءِ (مَجْرَى الْمَاءِ) لِلْقَوْمِ
وَجْهُ الْحُكْمِ وَالْمَنَاطُ: إِذَا احْتَاجَتْ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ إِلَى سَوْقِ الْمَاءِ لِأَرْضِهِمْ أَوْ بُيُوتِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَسْلَكٌ إِلَّا فِي أَرْضِ رَجُلٍ، أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِ مَوْضِعِ الْمَجْرَى بِثَمَنِ الْمِثْلِ شَرِيطَةَ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ لِغَيْرِ قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ (أَيْ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ)؛ لِأَنَّ مَنْعَ مَسْلَكِ الْمَاءِ فِيهِ تَعْطِيلٌ لِمَنَافِعِ الْأَرْضِ وَتَعْطِيشٌ لِلزُّرُوعِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا قِوَامُ الْمَعَاشِ.
.
لتفصيل المسألة انظر كِتابي إقامة الدليل لمسائل مختصر خليل - كتاب البيةع ج 20
👁️ الـمشاهدون:
0