قواعد فرعية لها تعلق بقاعدة المقاصد والوسائل

تَطْبِيقًا لِلْقَوَاعِدِ الْفَرْعِيَّةِ الْمُتَفَرِّعَةِ عَنْ قَاعِدَةِ "الْوَسَائِلُ تَأْخُذُ حُكْمَ الْمَقَاصِدِ"،  تَحْتَ كُلِّ قَاعِدَةٍ مِثَالُهَا الْفِقْهِيُّ لِتَوْضِيحِ مَنَاطِهَا:
 1. قَاعِدَةُ: مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ
 الْمِثَالُ: وُجُوبُ السَّعْيِ وَالْمَشْيِ إِلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَذَانِ؛ فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ مَقْصِدٌ وَاجِبٌ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْمَقْصِدُ لَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إِلَيْهِ إِلَّا بِالْمَشْيِ إِلَى الْمَسْجِدِ، صَارَ الْمَشْيُ (وَهُوَ الْوَسِيلَةُ) وَاجِبًا شَرْعًا بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ.
 2. قَاعِدَةُ: مَا أَدَّى إِلَى الْحَرَامِ فَهُوَ حَرَامٌ
 الْمِثَالُ: مَنْعُ بَيْعِ الْعِنَبِ لِمَنْ عُلِمَ أَنَّهُ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا؛ فَإِنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ أَوْ صِنَاعَتَهُ مَقْصِدٌ مُحَرَّمٌ، وَبَيْعُ الْعِنَبِ فِي أَصْلِهِ مُبَاحٌ، لَكِنَّهُ لَمَّا صَارَ وَسِيلَةً مُفْضِيَةً إِلَى الْحَرَامِ يَقِينًا أَوْ غَلَبَةَ ظَنٍّ، أُعْطِيَ حُكْمَ الْمَقْصِدِ وَصَارَ الْبَيْعُ حَرَامًا.
 3. قَاعِدَةُ: مَا لَا يَتِمُّ تَرْكُ الْحَرَامِ إِلَّا بِتَرْكِهِ فَهُوَ حَرَامٌ
 الْمِثَالُ: حُرْمَةُ الْخَلْوَةِ بِالْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ؛ فَإِنَّ الْمَقْصِدَ الْمَحْظُورَ هُوَ الْوُقُوعُ فِي الْفَاحِشَةِ، وَلَمَّا كَانَ الِاحْتِرَازُ عَنْ هَذَا الْحَرَامِ وَتَرْكُهُ لَا يَتِمُّ تَمَامًا إِلَّا بِإِغْلَاقِ كُلِّ طَرِيقٍ يُؤَدِّي إِلَيْهِ، صَارَتِ الْخَلْوَةُ (وَهِيَ الْوَسِيلَةُ) مُحَرَّمَةً لِعَدَمِ إِمْكَانِ تَرْكِ الْحَرَامِ إِلَّا بِتَرْكِهَا.
 4. قَاعِدَةُ: التَّابِعُ تَابِعٌ
 الْمِثَالُ: طَهَارَةُ النَّقْلِ لِلْمَاءِ الْمُتَطَهَّرِ بِهِ؛ فَإِنَّ الْوُضُوءَ هُوَ الْمَقْصِدُ، وَغَسْلَ الْأَعْضَاءِ وَجَرَيَانَ الْمَاءِ عَلَيْهَا هُوَ الْفِعْلُ التَّابِعُ لَهُ، فَإِذَا صَحَّتِ الطَّهَارَةُ حَكَمْنَا بِصِحَّةِ جَمِيعِ الْأَفْعَالِ التَّابِعَةِ لَهَا دُونَ إِفْرَادِ كُلِّ حَرَكَةٍ بِحُكْمٍ مُنْفَصِلٍ عَنِ الْغَايَةِ الرَّئِيسِيَّةِ.
 5. قَاعِدَةُ: إِذَا سَقَطَ الْمَقْصِدُ سَقَطَتِ الْوَسِيلَةُ
 الْمِثَالُ: سُقُوطُ الرَّمَلِ (وَهُوَ الْإِسْرَاعُ فِي الْمَشْيِ) فِي طَوَافِ النِّسَاءِ؛ فَإِنَّ مَقْصِدَ الرَّمَلِ فِي أَصْلِهِ هُوَ إِظْهَارُ الْجَلَدِ وَالْقُوَّةِ أَمَامَ الْمُشْرِكِينَ، وَهَذَا الْمَقْصِدُ لَيْسَ مَطْلُوبًا مِنْ قِبَلِ النِّسَاءِ لِمَا فِيهِ مِنْ مُنَافَاةِ السَّتْرِ، فَلَمَّا سَقَطَ الْمَقْصِدُ فِي حَقِّهِنَّ سَقَطَتِ الْوَسِيلَةُ تِلْقَائِيًّا فَلَا يُشْرَعُ لَهُنَّ الرَّمَلُ.

لا يأثم من مات في وسط الوقت قبل صلاة الوفت

عَدَمُ عِصْيَانِ مَنْ مَاتَ فِي وَسَطِ الْوَقْتِ قَبْلَ الْأَدَاءِ إِلَّا أَنْ يَظُنَّ الْمَوْتَ
قَالَ الشِّيْخُ خليلٌ في الْمُختَصَرِ : وَإِنْ مَاتَ وَسَطَ الْوَقْتِ بِلا أَدَاءٍ لَمْ يَعْصِ إلا أَنْ يَظُنَّ الْمَوْتَ؛ 
وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُكَلَّفَ إِذَا أَخَّرَ الصَّلَاةَ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا بِالنِّيَّةِ لِأَدَائِهَا فِي آخِرِهِ، ثُمَّ حَلَّ بِهِ الْمَوْتُ بَغْتَةً فِي وَسَطِ الْوَقْتِ، فَإِنَّهُ لَا يُعَدُّ عَاصِياً وَلَا آثِماً بِالتَّأْخِيرِ، عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ مُوَسَّعٌ، إِلَّا إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ مَوْتُهُ (كَمَرِيضٍ مُشْرِفٍ أَوْ مَنْ يُقَدَّمُ لِلْقَتْلِ) وَلَمْ يُبَادِرْ، فَإِنَّهُ يَعْصِي لِتَفْرِيطِهِ بَعْدَ تَعَيُّنِ الْوَقْتِ فِي حَقِّهِ. الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ الْفِعْلُ فِي أَوَّلِهِ إِلَّا بِخَوْفِ الْفَوْتِ؛ فَلَمَّا كَانَ الْأَصْلُ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ السَّعَةَ، بَقِيَ التَّخْيِيرُ ثَابِتاً لِلْمُكَلَّفِ، وَلَا يَنْتَقِلُ إِلَى التَّعْيِينِ (وُجُوبِ الْفَوْرِ) إِلَّا بِظَنِّ الْمَوْتِ.
 الْأَحْكَامُ تَدُورُ مَعَ الْعِلَلِ وُجُوداً وَعَدَماً؛ فَعِلَّةُ الْعِصْيَانِ هِيَ التَّفْرِيطُ، وَالتَّفْرِيطُ لَا يَتَحَقَّقُ مَعَ جَهْلِ وَقْتِ الْمَوْتِ، وَيَتَحَقَّقُ مَعَ ظَنِّهِ، فَدَارَ الْإِثْمُ مَعَ الظَّنِّ.
الْعِلَّةِ: لِعِلَّةِ "الِاعْتِمَادِ عَلَى إِذْنِ الشَّارِعِ"؛ نَقِيسُ مَنْ مَاتَ فِي وَسَطِ الْوَقْتِ عَلَى الْمُسَافِرِ الَّذِي يَنْوِي الْجَمْعَ تَأْخِيراً فَيَمُوتُ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ؛ فَكَمَا لَا يَعْصِي الْمُسَافِرُ لِاعْتِمَادِهِ عَلَى رُخْصَةِ الْجَمْعِ، لَا يَعْصِي الْمُقِيمُ لِاعْتِمَادِهِ عَلَى رُخْصَةِ الْوَقْتِ الْمُوَسَّعِ.
الْأَفْضَلُ لِلْفَذِّ تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا مُطْلَقاً

الْخِلَافُ فِي مَحَلِّ الِاشْتِرَاكِ بَيْنَ وَفْتَيْ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ

 اشْتِرَاكُ صَلَاتَيِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بَعْدَ آخِرِ الْقَامَةِ بِقَدْرِ إِحْدَاهُمَا

1. أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَاشْتَرَكَتَا بِقَدْرِ إِحْدَاهُمَا؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ زَمَناً مُتَدَاخِلًا عِنْدَ مُنْتَهَى الْقَامَةِ الْأُولَى وَمَبْدَأِ الثَّانِيَةِ، يَسَعُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، يَكُونُ وَقْتاً لِكِلَيْهِمَا مَعاً، عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاشْتِرَاكَ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ جَوَازُ أَدَاءِ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لِأَهْلِ الْأَعْذَارِ.

2. الدَّلِيلُ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: قَالَ تَعَالَى: أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ.

وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الصَّلَاةَ فِي هَذَا الْمَدَى الزَّمَنِيِّ الْمُمْتَدِّ مِنْ الزَّوَالِ إِلَى اللَّيْلِ، وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَ أَوْقَاتِ صَلَوَاتِ النَّهَارِ فَوَاصِلَ زَمَنِيَّةً مُنْقَطِعَةً، فَدَلَّ نَظْمُ الآيَةِ عَلَى اتِّصَالِ الْأَوْقَاتِ وَإِمْكَانِ تَدَاخُلِهَا فِي مَحَلِّ الِاتِّصَالِ.

3. الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي حَدِيثِ صَلَاةِ النَّبِيِّ × فِي السَّفَرِ: أَنَّهُ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ.

وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ جَوَازَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لِلْعُذْرِ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ عَلَى أَنَّ بَيْنَهُمَا قَدْراً مُشْتَرَكاً مِنَ الزَّمَانِ، إِذْ لَوْ كَانَ وَقْتُ كُلِّ صَلَاةٍ مُنْفَصِلًا عَنِ الْآخَرِ عَقْلًا وَشَرْعاً لَمَا صَحَّ إِيقَاعُ إِحْدَاهُمَا فِي وَقْتِ الْأُخْرَى حَالَ الْجَمْعِ.

الْخِلَافُ فِي مَحَلِّ الِاشْتِرَاكِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ هَلْ هُوَ فِي آخِرِ الْقَامَةِ الْأُولَى أَوْ أَوَّلِ الثَّانِيَةِ
1. أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: وَهَلْ فِي آخِرِ الْقَامَةِ الأُولَى، أَوْ أَوَّلِ الثَّانِيَةِ؟ خِلافٌ؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِ وِعَاءِ هَذَا الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ (أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ)، هَلْ هُوَ مَحْسُوبٌ مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ فَيَكُونُ الْعَصْرُ دَاخِلًا عَلَيْهَا، أَمْ هُوَ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ فَتَكُونُ الظُّهْرُ مُتَمَادِيَةً فِيهِ، عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ ثَابِتٌ لَكِنَّ تَعْيِينَ جِهَتِهِ مَحَلُّ نَظَرٍ وَتَرَدُّدٍ.
2. الدَّلِيلُ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا)
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَوْقَاتِ التَّحْدِيدُ وَعَدَمُ التَّدَاخُلِ، فَلَمَّا ثَبَتَ الِاشْتِرَاكُ بِأَدِلَّةٍ خَارِجِيَّةٍ، بَقِيَ التَّرَدُّدُ فِي هَذَا الْكِتَابِ الْمَوْقُوتِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، هَلْ يَنْتَهِي بِنِهَايَةِ الْقَامَةِ الْأُولَى تَمَاماً أَمْ يَمْتَدُّ لِيَأْخُذَ مِنْ زَمَانِ الصَّلَاةِ الَّتِي تَلِيهَا.
3. الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي حَدِيثِ إِمَامَةِ جِبْرِيلَ ×: (أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَصَلَّى الْعَصْرَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ)
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ جِبْرِيلَ × أَوْقَعَ الصَّلَاتَيْنِ فِي نَفْسِ اللَّحْظَةِ الزَّمَنِيَّةِ (تَسَاوِي الظِّلِّ مَعَ الْقَامَةِ) فِي يَوْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَهَذَا التَّعَارُضُ الظَّاهِرُ بَيْنَ آخِرِيَّةِ الظُّهْرِ وَأَوَّلِيَّةِ الْعَصْرِ أَوْرَثَ الْخِلَافَ فِي نِسْبَةِ هَذَا الْقَدْرِ لِأَيِّهِمَا أَصَالَةً.

أوقات الصلاة - وقت الظهر

 الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ لِلظُّهْرِ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ لآخِرِ الْقَامَةِ

1. أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ لِلظُّهْرِ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ لآخِرِ الْقَامَةِ بَغَيْرِ ظِلِّ الزَّوَالِ؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ مَبْدَأَ الظُّهْرِ يَبْدَأُ بِمَيْلِ الشَّمْسِ عَنْ كَبِدِ السَّمَاءِ وَيَنْتَهِي عِنْدَ تَسَاوِي ظِلِّ الشَّيْءِ مَعَ طُولِهِ الحَقِيقِيِّ، عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْوَقْتَ هُوَ مَحَلُّ الِاخْتِيَارِ الَّذِي وَرَدَ بِهِ النَّصُّ، وَمَا بَعْدَهُ يَدْخُلُ فِي حَيِّزِ الِاشْتِرَاكِ أَوِ الْعَصْرِ.

2. الدَّلِيلُ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: قَالَ تَعَالَى: أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ.

وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: الدُّلُوكُ هُوَ الزَّوَالُ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ، فَالْأَمْرُ بِالْإِقَامَةِ مُعَلَّقٌ بِهِ ابْتِدَاءً، وَجَعَلَ الْغَايَةَ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ لِيَشْمَلَ جَمِيعَ صَلَوَاتِ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ تَرْتِيباً.

3. الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ × قَالَ: وَقْتُ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ.

وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: التَّصْرِيحُ النَّبَوِيُّ بِحَدَّيِ الْوَقْتِ، فَجَعَلَ الزَّوَالَ مَبْدَأً وَتَسَاوِي الظِّلِّ غَايَةً لِلِاخْتِيَارِ الْمُنْفَرِدِ.

4. الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ:

قَاعِدَةُ: الْأَصْلُ فِي الْعِبَادَاتِ التَّوْقِيفُ؛ فَالْأَوْقَاتُ لَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِي ابْتِدَائِهَا، بَلْ هِيَ مَحْضُ تَعَبُّدٍ بِمَا حَدَّهُ الشَّارِعُ بِالزَّوَالِ.

قَاعِدَةُ: الْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ؛ فَدُخُولُ الْوَقْتِ بِالزَّوَالِ يَقِينٌ لَا يُرْفَعُ إِلَّا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ وَهُوَ بُلُوغُ الْقَامَةِ، فَمَا بَيْنَهُمَا هُوَ الْوَقْتُ الْمُتَيَقَّنُ لِلْأَدَاءِ.

قَاعِدَةُ: لَا عِبْرَةَ بِالتَّوَهُّمِ فِي مَوَاقِيتِ الْعِبَادَةِ؛ فَلَا يُعْتَدُّ بِظَنِّ دُخُولِ الْوَقْتِ قَبْلَ رُؤْيَةِ أَمَارَةِ الزَّوَالِ الْبَيِّنَةِ.

5. الدَّلِيلُ مِنَ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ:

قِيَاسُ الْعِلَّةِ: لِعِلَّةِ تَرْتِيبِ الْعِبَادَاتِ عَلَى مَنَازِلِ الضِّيَاءِ؛ نَقِيسُ صَلَاةَ الظُّهْرِ عَلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَكَمَا أَنَّ الصُّبْحَ يَبْدَأُ بِانْصِدَاعِ الضَّوْءِ (الْفَجْر)، فَكَذَلِكَ الظُّهْرُ يَبْدَأُ بِانْصِدَاعِ مَيْلِ الشَّمْسِ (الزَّوَال)

قِيَاسُ الْعَكْسِ: لَمَّا حَرُمَتِ الصَّلَاةُ وَقْتَ الِاسْتِوَاءِ (وَهُوَ قَبْلَ الزَّوَالِ)، وَجَبَتْ وَصَحَّتْ عِنْدَ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ الزَّوَالَ فَيْصَلًا بَيْنَ وَقْتِ النَّهْيِ وَوَقْتِ الْأَمْرِ.

قِيَاسُ الطَّرْدِ: بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ فَرِيضَةٍ نَهَارِيَّةٍ تَتْبَعُ حَرَكَةَ الظِّلِّ زِيَادَةً وَنَقْصاً، فَيَطَّرِدُ هَذَا فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ بِاعْتِبَارِ مَبْدَئِهَا مِنْ أَقْصَرِ ظِلٍّ (الزَّوَال) إِلَى ظِلِّ الْمِثْلِ.


منهج البحث في كتاب إقامة الدليل لمسائل مختصر خليل

 الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَفَ العِلْمَ بِشَرَفِ مَعْلُومِهِ، وَجَعَلَ الفِقْهَ فِي الدِّينِ سَبِيلاً لِمَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْراً مَحْتُومًا، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الأَتَمَّانِ الأَكْمَلَانِ عَلَى مَنْ بُعِثَ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ دُسْتُورًا وَقَانُونًا، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ×، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ حَمَلُوا أَمَانَةَ البَلَاغِ، وَشَيَّدُوا صُرُوحَ الِاسْتِنْبَاطِ عَلَى قَوَاعِدِ الوَحْيِ المُبِينِ.
أَمَّا بَعْدُ؛ 
إِنَّ الفِقْهَ المَالِكِيَّ قَدْ تَبَوَّأَ مَنْزِلَةً سَامِيَةً بَيْنَ المَذَاهِبِ الإِسْلَامِيَّةِ، لِمَا اتَّسَمَ بِهِ مِنْ قُوَّةِ الأُصُولِ، وَسَعَةِ المَقَاصِدِ، وَرِعَايَةِ المَصَالِحِ. وَقَدْ كَانَ كِتَابُ "المُخْتَصَرِ" لِلإِمَامِ الضِّيَاءِ الشَّيْخِ خَلِيلِ بْنِ إِسْحَاقَ الجُنْدِيِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- هُوَ القُطْبَ الَّذِي دَارَتْ عَلَيْهِ رَحَى الدَّرْسِ المَالِكِيِّ فِي القُرُونِ المُتَأَخِّرَةِ، حَتَّى صَارَ عُمْدَةَ المَسَائِلِ، وَمَلَاذَ الفَتْوَى، وَمِعْيَارَ التَّحْقِيقِ لَدَى عُلَمَاءِ المَغْرِبِ وَالمَشْرِقِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ.
إِنَّ مَنْزِلَةَ "مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ" جَاءَتْ مِنْ دِقَّةِ عِبَارَتِهِ، وَجَزَالَةِ لَفْظِهِ، وَحَصْرِهِ لِلْمَشْهُورِ وَالرَّاجِحِ مِنَ الأَقْوَالِ. بَيْدَ أَنَّ هَذَا الِاخْتِصَارَ الشَّدِيدَ الَّذِي رَامَهُ المُؤَلِّفُ لِجَمْعِ الشَّتَاتِ، جَعَلَ المَسَائِلَ تَبْدُو فِي صُورَةِ نَتَائِجَ فِقْهِيَّةٍ مُجَرَّدَةٍ عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيليَّةِ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالقَوَاعِدِ الكُلِّيَّةِ. وَمِنْ هُنَا نَشَأَتِ الحَاجَةُ المُلِحَّةُ لِرَبْطِ هَذِهِ "الفُرُوعِ" بـ "أُصُولِهَا"، وَبَيَانِ أَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ صَاغَهَا الشَّيْخُ خَلِيلٌ إِنَّمَا هِيَ ثَمَرَةٌ لِنَظَرٍ مَقَاصِدِيٍّ، أَوْ أَثَرٍ مَرْوِيٍّ، أَوْ قِيَاسٍ جَلِيٍّ.
أَوّلاً : تَوْطِئَةُ الدِّرَاسَةِ
يَأْتِي هَذَا البَحْثُ المَوْسُومُ بِـ (إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسَائِلِ مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ) لِيَكُونَ جِسْراً بَيْنَ المَتْنِ وَالدَّلِيلِ، وَمِحَكّاً لِكُلِّ مَسْأَلَةٍ أَوْرَدَهَا المِصْنِفُ، بَدْءًا مِنْ مَسَائِلِ الطَّهَارَةِ، وَلَيْسَ المَقْصُودُ مِنْ هَذَا الجُهْدِ مُجَرَّدَ سَرْدِ الأَحَادِيثِ وَالآثَارِ، بَلْ هُوَ تَحْرِيرٌ لِمَنَاطَاتِ الأَحْكَامِ، وَاسْتِظْهَارٌ لِوَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ خَلِيلٌ تَرْجِيحَاتِهِ، مَعَ رَعَايَةِ القَوَاعِدِ الأُصُولِيَّةِ المَالِكِيَّةِ الَّتِي تُمَيِّزُ هَذَا المَذْهَبَ العَرِيقَ.
وَمِمَّا يَنْبَغِي التَّأْكِيدُ عَلَيْهِ، أَنَّ عَمَلِيَّةَ (إِقَامَةِ الدَّلِيلِ) لِمَسَائِلِ هَذَا المَتْنِ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ سَرْدٍ لِلنُّصُوصِ، بَلْ هِيَ دِرَاسَةٌ تَأْصِيلِيَّةٌ اسْتَنَدَتْ إِلَى المَصَادِرِ التَّشْرِيعِيَّةِ الأَرْبَعَةِ؛ الكِتَابِ العَزِيزِ، وَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ المُطَهَّرَةِ، وَ الإِجْمَاعِ المَنْقُولِ، وَ القِيَاسِ الصَّحِيحِ.
وَقَدْ جَاءَ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ مَبْنِيّاً عَلَى نِظَامٍ مَنْهَجِيٍّ يَسْتَصْحِبُ القَوَاعِدَ الفِقْهِيَّةَ الكُلِّيَّةَ، وَالضَّوَابِطَ الأُصُولِيَّةَ المَالِكِيَّةَ؛ كَمُرَاعَاةِ المَقَاصِدِ، وَسَدِّ الذَّرَائِعِ، وَالِاسْتِصْلَاحِ، وَمُرَاعَاةِ الخِلَافِ. وَذَلِكَ لِإِثْبَاتِ أَنَّ فُرُوعَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ لَيْسَتْ أَقْوَالاً مُرْسَلَةً، بَلْ هِيَ مَحْكُومَةٌ بِضَوَابِطِ النَّظَرِ المَقَاصِدِيِّ، وَمُسْتَمِدَّةٌ مِنْ مِشْكَاةِ الأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي ارْتَضَاهَا جَهَابِذَةُ المَذْهَبِ، مِمَّا يُضْفِي عَلَى البَحْثِ صِبْغَةً مَتِينَةً تَجْمَعُ بَيْنَ النَّقْلِ وَالعَقْلِ
ثانِيَاً : أَهْدَافُ البَحْثِ
يَسْعَى هَذَا البَحْثُ إِلَى تَحْقِيقِ المَقَاصِدِ الآتِيَةِ:
الِاسْتِدْلَالُ لِلمَسَائِلِ الخِلَافِيَّةِ: بَيَانُ أَدِلَّةِ المَالِكِيَّةِ فِيمَا انْفَرَدُوا بِهِ أَوْ فِيمَا كَانَ مَحَلَّ نِزَاعٍ مَعَ المَذَاهِبِ الأُخْرَى دَاخِلَ "المُخْتَصَرِ".
إِبْرَازُ الخُصُوصِيَّةِ المَنْهَجِيَّةِ: كَاعْتِمَادِ "عَمَلِ أَهْلِ المَدِينَةِ" وَ"الِاسْتِحْسَانِ" فِي تَوْجِيهِ بَعْضِ المَسَائِلِ الَّتِي أَوْرَدَهَا الشَّيْخُ خَليلُ.
تَنْقِيحُ المَنَاطَاتِ: شَرْحُ الشُّرُوطِ وَالقُيُودِ الَّتِي وَضَعَهَا الشيخ خليل لِكُلِّ حُكْمٍ، وَرَبْطُهَا بِالمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ.
ثَالِثًا: مَنْهَجِيَّةُ الدِّرَاسَةِ
اعْتَمَدْتُ فِي هَذَا العَمَلِ المَنْهَجَ "الِاسْتِقْرَائِيَّ التَّحْلِيلِيَّ"، وَذَلِكَ وَفْقَ الخُطُوَاتِ التَّالِيَةِ:
إِيرَادُ النَّصِّ الخَلِيلِيِّ: يَبْدَأُ المَبْحَثُ بِذِكْرِ عِبَارَةِ الشيخ خليل مَضْبُوطَةً بِالشَّكْلِ التَّامِّ لِتَحْرِيرِ المَحَلِّ.
تَحْلِيلُ المَفْرَدَاتِ: شَرْحُ المُصْطَلَحَاتِ الفِقْهِيَّةِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا المُؤَلِّفُ حُكْمَهُ.
سِيَاقُ الأَدِلَّةِ: وَتَنْقَسِمُ إِلَى:
الأَدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ: مِنَ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ.
الأَدِلَّةُ الأُصُولِيَّةُ: كَـ "الِاسْتِصْحَابِ"، أَوْ "سَدِّ الذَّرَائِعِ"، أَوْ "مُرَاعَاةِ الخِلَافِ" الَّتِي كَثُرَ اعْتِمَادُ الشيخ خليل عَلَيْهَا.
تَوْجِيهُ الدَّلِيلِ: بَيَانُ وَجْهِ الدَّلَالَةِ وَكَيْفِيَّةِ انْتِزَاعِ الحُكْمِ مِنَ المَصْدَرِ الشَّرْعِيِّ.
خَاتِمَةُ:
وَمَا هَذَا الجُهْدُ إِلَّا مُحَاوَلَةٌ لِخِدْمَةِ هَذَا المَتْنِ المُبَارَكِ، وَتَقْرِيبِهِ لِأَفْهَامِ الطَّلَبَةِ المُعَاصِرِينَ بِلُغَةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ أَصَالَةِ المَنْقُولِ وَحَدَاثَةِ المَنْهَجِ. فَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ صَوَابٍ فَمِنَ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَطَأٍ فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ، وَرَسُولُ اللَّهِ × بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ.
نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ هَذَا البَحْثَ لَبِنَةً خَالِصَةً فِي صَرْحِ الخِدْمَةِ الفِقْهِيَّةِ، وَأَنْ يَنْفَعَ بِهِ الكَاتِبَ وَالقَارِئَ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.

زياد حبوب أبو رجائي
عمان - الأردن