حكم من دفن بلا غسل وبلا صلاة ميت

 مَن دُفِنَ بلا غُسْلٍ أو بلا صلاةٍ

تُعدُّ هذه المسألةُ من دقيقِ مذهبِ الإمامِ مالكٍ في الجمعِ بينَ "تعظيمِ الحُرْمَةِ" وبينَ "استدراكِ الفريضةِ" فالأصلُ أنَّ الغُسْلَ والصلاةَ حقَّانِ للمؤمنِ على إخوانِهِ، فإذا فاتَ مَحَلُّهُما بالدَّفنِ، وقَعَ التعارُضُ بينَ نبشِ القبرِ لاستدراكِ ما فاتَ، وبينَ كرامةِ الميِّتِ في عدمِ انتهاكِ سِتْرِهِ بعدَ مُواراتِهِ والضابطُ المشتَرَكُ عندَ المالكيةِ هو "حصولُ التغيُّرِ" في الجسدِ؛ فهو المِعْيارُ الفاصلُ بينَ الاستدراكِ وبينَ السُّقوطِ

النَّظرُ الفقهيُّ يرى أنَّ الغُسْلَ يُرادُ بهِ النظافةُ الشرعيةُ والتكريمُ، فإذا دُفِنَ الميِّتُ بلا غُسْلٍ نُبِشَ ما لم يُخَفْ عليهِ التفسُّخُ وتغيُّرُ الرائحةِ؛ لأنَّ بَقاءَهُ نَجِساً حُكماً في مَحَلِّ القُربِ القبرِ مُنافٍ للتكريمِ أمَّا الصلاةُ، فهي شفاعةٌ ودُعاءٌ، فإذا دُفِنَ بلا صلاةٍ، فالمذهبُ على أنَّ القبرَ لا يُنبَشُ لأجلِ الصلاةِ وحدَها، بل يُكتَفى بالصلاةِ عليهِ وهو في لَحْدِهِ الصلاةُ على القبرِ؛ لأنَّ مقصودَ الشفاعةِ يَحْصُلُ بالوقوفِ عندَ مَحَلِّهِ، بخلافِ الغُسْلِ الذي لا يَقْبَلُ النيابةَ عن بُعْدٍ

مَا رَواهُ البخاريُّ ومسلمٌ عَنْ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضيَ اللهُ عنهما: "أنَّ النبيَّ ﷺ صَلَّى عَلَى قَبْرِ المَرْأَةِ التي كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ بَعْدَمَا دُفِنَتْ"؛ فَدَلَّ هَذَا عَلَى جَوَازِ استدراكِ الصلاةِ على القبرِ لِمَنْ فَاتَتْهُ، وهوَ أصْلُ المالكيةِ في عدمِ الحاجةِ للنبشِ لأجلِ الصلاةِ

مَا رُوِيَ عَنِ الصَّحابةِ في تركِ نبشِ مَنْ دُفِنَ لِعلَّةٍ أو ضَرورةٍ إذا خِيفَ عليهِ التغيُّرُ؛ لأنَّ حُرْمَةَ الميِّتِ مَيِّتاً كَحُرْمَتِهِ حَيّاً، والنبشُ معَ التفسُّخِ انتهاكٌ صريحٌ لِهذهِ الحُرْمَةِ، فَدَلَّ عَلَى أنَّ الاستدراكَ مَشروطٌ بسلامةِ الجسدِ


عدد تكبيرات الركعة الثانية بصلاة العيد

قالَ  الشَّيْخُ خَلِيلٌ ( وَهَلْ بِغَيْرِ الْقِيَامِ تَأْوِيلَانِ )

أَنَّ هُنَاكَ تَرَدُّداً فِي فَهْمِ عَدَدِ التَّكْبِيرَاتِ الْمَسْنُونَةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ هَلْ تَكُونُ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ سِوَى تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ مِنَ السُّجُودِ فَيَصِيرُ الْمَجْمُوعُ سِتّاً أَمْ أَنَّ تَكْبِيرَةَ الْقِيَامِ هِيَ إِحْدَى هَذِهِ الْخَمْسِ فَيَصِيرُ الْمَجْمُوعُ خَمْساً وَهَذَا النِّزَاعُ يَرْجِعُ إِلَى فَهْمِ مَقْصُودِ النَّقْلِ عَنِ السَّلَفِ فِي مِقْدَارِ الزِّيَادَةِ الْمَطْلُوبَةِ لِتَمْيِيزِ هَذِهِ الشَّعِيرَةِ عَنْ غَيْرِهَا مِنَ النَّوَافِلِ

مَا رُوِيَ فِي بَعْضِ أَحَادِيثِ صَلَاةِ الْعِيدِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَبَّرَ فِي الثَّانِيَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ فَدَلَّ إِطْلَاقُ هَذَا الْعَدَدِ عَلَى أَنَّهُ مَقْصُودٌ لِذَاتِهِ وَبِمَا أَنَّ الصَّلَاةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ تَكْبِيرِ انْتِقَالٍ تَرَدَّدَ الْعُلَمَاءُ فِي دُخُولِهِ فِيهَا رِعَايَةً لِظَاهِرِ اللَّفْظِ الْعَدَدِيِّ الْمَنْقُولِ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ

 مَا نُقِلَ عَنِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي صِفَةِ تَكْبِيرِهِمْ حَيْثُ جَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْمُوَطَّإِ أَنَّهُ كَبَّرَ خَمْساً فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَهَذَا الظَّرْفُ الزَّمَانِيُّ بَعْدَ الِاسْتِتْمَامِ قَائِماً يُقَوِّي تَأْوِيلَ مَنْ جَعَلَهَا خَمْساً زَائِدَةً عَلَى تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ لِأَنَّ تَكْبِيرَةَ الْقِيَامِ تَقَعُ حَالَ الشُّرُوعِ فِي النُّهُوضِ لَا بَعْدَ تَمَامِهِ

يَنْقَسِمُ فَهْمُ الشَّارِحِينَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِلَى قَوْلَيْنِ:

التَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ فَهْمُ ابْنِ رُشْدٍ وَسَنَدٍ: أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَقْضِي الرَّكْعَةَ الْأُولَى بِسَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ، حَيْثُ يُكَبِّرُ لِلْقِيَامِ تَكْبِيرَةَ الِانْتِقَالِ، ثُمَّ إِذَا اسْتَوَى قَائِماً أَتَى بِسِتِّ تَكْبِيرَاتٍ زَائِدَةٍ تَكْبِيرُ الْعِيدِ، فَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ سَبْعاً بِتَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ

التَّأْوِيلُ الثَّانِي فَهْمُ عَبْدِ الْحَقِّ وَاللَّخْمِيِّ: أَنَّهُ يَقْضِي مَا بَقِيَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَكُونُ الْمَجْمُوعُ سِتَّ تَكْبِيرَاتٍ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَدُّ بِالتَّكْبِيرَةِ الَّتِي كَبَّرَهَا حِينَ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ لِيَجْلِسَ، فَلَا يُكَبِّرُ لِلْقِيَامِ عِنْدَ اسْتِئْنَافِ الرَّكْعَةِ الْمَقْضِيَّةِ، بَلْ يَقُومُ بِلَا تَكْبِيرٍ ثُمَّ يَأْتِي بِالسِّتِّ

ثَانِيًا: الْقَوْلُ الْمُعْتَمَدُ

الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ هُوَ التَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ فَهْمُ ابْنِ رُشْدٍ وَسَنَدٍ، وَهُوَ أَنَّ التَّكْبِيرَ يَكُونُ سَبْعاً بِتَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ؛ وَهَذَا مَا رَجَّحَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِتَقْدِيمِهِ فِي الذِّكْرِ، وَبِاعْتِبَارِهِ الْأَصْلَ فِي صِفَةِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى

ثَالِثًا: التَّرْجِيحُ حَسَبَ قُوَّةِ الدَّلِيلِ وَقَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ

يَتَرَجَّحُ التَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ لِعِدَّةِ اعْتِبَارَاتٍ فِقْهِيَّةٍ وَقَاعِدِيَّةٍ:

قُوَّةُ الدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ نَصُّ "الْأُمِّ": كَمَا نَقَلَ عَبْدُ الْحَقِّ، نَصُّ اللَّفْظِ فِي "الْأُمِّ" فَإِذَا قَضَى الْإِمَامُ صَلَاتَهُ قَامَ فَكَبَّرَ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ التَّكْبِيرِ؛ وَبِمَا أَنَّهُ كَبَّرَ وَاحِدَةً لِلدُّخُولِ، فَإِنَّ تَمَامَ السَّبْعِ يَقْتَضِي سِتَّ تَكْبِيرَاتٍ أُخْرَى وَلَكِنَّ فِقْهَ الْمَالِكِيَّةِ يَقْصِدُ بِهَذَا أَنْ يَقُومَ بِتَكْبِيرَةٍ ثُمَّ يُكْمِلُ، لِيَبْقَى نَظْمُ الصَّلَاةِ مُتَّسِقاً، فَلَا يَخْلُو الِانْتِقَالُ مِنْ رُكْنٍ لِرُكْنٍ الْقِيَامُ بَعْدَ السَّلَامِ مِنْ ذِكْرٍ مَشْرُوعٍ


حكم أكل المضطر لحم الانسان الميت

 أَكْلِ الْمُضْطَرِّ مِنْ لَحْمِ الْآدَمِيِّ الْمَيِّتِ

أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ والنَّصُّ عَدَمُ جَوَازِ أَكْلِهِ لِمُضْطَرٍّ، وصُحِّحَ أَكْلُهُ أَيْضا 

إِلَى نَازِلَةٍ مِنْ أَصْعَبِ النَّوَازِلِ الْفِقْهِيَّةِ، وَهِيَ تَعَارُضُ "ضَرُورَةِ حِفْظِ نَفْسِ الْمُسْلِمِ الْحَيِّ" مَعَ "حُرْمَةِ وَكَرَامَةِ الْجَسَدِ الْآدَمِيِّ الْمَيِّتِ"

 أَوَّلًا: عَرْضُ الْقَوْلَيْنِ الْمَنْصُوصِ وَالْمُصَحَّحِ

 الْقَوْلُ الْمَنْصُوصُ الْمَشْهُورُ: عَدَمُ جَوَازِ الْأَكْلِ مُطْلَقًا

 وَهُوَ مَا نُصَّ عَلَيْهِ فِي أُمَّهَاتِ الْمَذْهَبِ كَالْمُدَوَّنَةِ، وَبِهِ جَزَمَ عَبْدُ الْحَقِّ وَابْنُ عَرَفَةَ

 وَجْهُهُ: أَنَّ كَرَامَةَ الْآدَمِيِّ مَانِعَةٌ مِنِ ابْتِذَالِهِ بِالْأَكْلِ، وَلَا تُنْتَهَكُ حُرْمَةُ آدَمِيٍّ لِأَجْلِ بَقَاءِ آخَرَ؛ لِأَنَّ "الْحُرْمَةَ" هُنَا لَا تَقْبَلُ التَّفْضِيلَ، فَالْمَيِّتُ مُحْتَرَمٌ شَرْعًا كَالْحَيِّ

 الْقَوْلُ الْمُصَحَّحُ: جَوَازُ الْأَكْلِ لِلْمُضْطَرِّ بِقَدْرِ مَا يُقِيمُ صُلْبَهُ

 وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ الْقَصَّارِ، وَهُوَ "الظَّاهِرُ" مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ الْمَقَاصِدِيُّ

 وَجْهُهُ: أَنَّ الْحَيَّ مَعْصُومُ الدَّمِ بِيَقِينٍ، وَالْمَيِّتَ وَإِنْ كَانَ مُحْتَرَمًا إِلَّا أَنَّهُ خَرَجَ عَنْ دَارِ التَّكْلِيفِ، وَحِفْظُ حَيَاةِ الْحَيِّ أَوْجَبُ فِي مِيزَانِ الشَّرْعِ مِنْ صِيَانَةِ جُثَّةٍ تَتَحَلَّلُ

التَّرْجِيحُ حَسَبَ قَوَاعِدِ وَضَوَابِطِ الْمَذْهَبِ

إِذَا نَظَرْنَا إِلَى مَبَانِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ، نَجِدُ الصِّرَاعَ بَيْنَ قَاعِدَتَيْنِ كُبْرَيَيْنِ:

وَالتَّرْجِيحُ الْمَذْهَبِيُّ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ: هُوَ الْبَدْءُ بِالْمَنْعِ وَالنَّصُّ عَدَمُ الْجَوَازِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي النَّقْلِ، لَكِنَّ ذِكْرَهُ لِلْقَوْلِ "الْمُصَحَّحِ" بَعْدَهُ يُشِيرُ إِلَى قُوَّةِ النَّظَرِ فِيهِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ كَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَقَدْ ضَبَطُوا هَذَا بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلشَّخْصِ أَنْ يَأْكُلَ "بَعْضَ نَفْسِهِ" كَقَطْعِ أُصْبُعِهِ لِيَأْكُلَهُ لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ مُحَقَّقَةٌ عَلَى حَيٍّ، بِخِلَافِ الْأَكْلِ مِنْ غَيْرِهِ الْمَيِّتِ

التَّرْجِيحُ حَسَبَ قُوَّةِ الدَّلِيلِ

بِالنَّظَرِ إِلَى قُوَّةِ الدَّلِيلِ وَالْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ، نَجِدُ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْجَوَازِ الْمُصَحَّحَ هُوَ الْأَقْوَى لِلْأَسْبَابِ التَّالِيَةِ:

 تَقْدِيمُ الْحَيَاةِ الْمُحَقَّقَةِ عَلَى الْحُرْمَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ: كَمَا ذَكَرَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي "الْبَقْرِ"؛ فَإِنَّ حُرْمَةَ مَنْ عُلِمَتْ حَيَاتُهُ الْمُضْطَرِّ أَقْوَى بِيَقِينٍ مِنْ حُرْمَةِ مَنْ عُلِمَ مَوْتُهُ، وَالدَّلِيلُ أَنَّ قَاتِلَ الْحَيِّ يُقْتَصُّ مِنْهُ إِجْمَاعًا، بَيْنَمَا لَا قِصَاصَ عَلَى مَنْ نَبَشَ مَيِّتًا أَوْ جَرَحَهُ

 خُرُوجُ الْآدَمِيِّ عَنْ مُسَمَّى "الْمَيْتَةِ" الرِّجْسِ: كَمَا حَقَّقَ ابْنُ الْقَصَّارِ؛ فَالْآدَمِيُّ لَيْسَ بِنَجِسٍ، وَالْمَيْتَةُ الَّتِي حُرِّمَتْ إِنَّمَا لِنَجَاسَتِهَا، فَلَمَّا كَانَ الْمَيِّتُ الْآدَمِيُّ طَاهِرًا، بَطَلَتْ عِلَّةُ التَّحْرِيمِ "النَّجَاسِيَّةُ"، وَبَقِيَتْ عِلَّةُ "الْإِكْرَامِ"، وَالْإِكْرَامُ مَصْلَحَةٌ تَنْحَنِي أَمَامَ ضَرُورَةِ "إِحْيَاءِ النَّفْسِ"

 عُمُومُ آيَاتِ الِاضْطِرَارِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ؛ وَهَذَا عُمُومٌ يَشْمَلُ كُلَّ مَا يُنْقِذُ مِنَ الْمَوْتِ، وَلَمْ يَخُصَّ الشَّارِعُ مَيْتَةً دُونَ مَيْتَةٍ عِنْدَ انْعِدَامِ الْبَدِيلِ وَخَوْفِ الْهَلَاكِ

 الْخُلَاصَةُ: الْأَرْجَحُ دَلِيلًا هُوَ جَوَازُ أَكْلِ الْمُضْطَرِّ مِنْ لَحْمِ الْآدَمِيِّ الْمَيِّتِ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا بِقَدْرِ مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَيِّ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ صِيَانَةِ جَسَدِ الْمَيِّتِ


لماذا اخترت المنهج الأشعري

 
لماذا اخترت المنهج الاشعري
جديد الإصدارات: الكتاب الذي يضع النقاط على الحروف في باب المعتقد
هذا الكتاب ليس مجرد سرد تاريخي للفرق، ولا انتصارا عاطفيا لمذهب دون آخر. إنه رحلة عقلية فاحصة، ومحاكمة منطقية دقيقة  أمام براهين التنزيه وقواطع العقل والنقل.
إن انحيازي للمنهج الأشعري لم يكن تقليدا، بل ضرورة عقلية.. فالإمام الأشعري لم يخترع دينا جديدا، بل صاغ حجج السلف بقوالب البرهان، ليبقى التنزيه نقيا كما نزل به الوحي".
أبرز ما يتناوله الكتاب: ✅ فك الاشتباك: هل الأشعرية مذهب جديد أم أنها مجرد تدوين لعقيدة السلف كما دون مالك والشافعي الفقه؟

https://t.me/majalesalmazaheb/284


الجمعة : مناط الحكم هو وجوب السعي، لا مجرد دخول الأذان الثاني

  الاشتغال بالبيع والشراء اثناء السعي للجمعة اذا كان قبل السعي الواجب فهو خلاف الاولى واما اثناء السعي الواجب فهو محل التحريم كما بعد الاذان الثاني.

محل الكراهة اي خلاف الأولى في البيع يوم الجمعة قبل الأذان الثاني إنما هو في حقِّ من قصد السعي إلى المسجد لصلاة الجمعة، فاشتغل بالبيع والشراء قبل الأذان الثاني بدل المبادرة إلى السعي؛ فهذا خلاف الأولى

أما بعد الأذان الثاني، فيحرم البيع على من تلزمه الجمعة، اتفاقاً . ويُفسخ العقد إذا وقع في هذا الوقت على المشهور من المذهب.

وأما من لم يكن متوجهاً إلى المسجد أصلاً، بل كان قاصداً السوق أو الاشتغال بأمر آخر قبل وقت السعي، فلا كراهة في حقه قبل الأذان الثاني؛ لأن الكراهة إنما تعلقت بتأخير السعي والاشتغال عنه، لا بمجرد وقوع البيع قبل الأذان الثاني.

وقد وقع الخلط عند بعض طلبة العلم في هذه المسألة، فظنوا أن الكراهة ثابتة مطلقاً لكل بيع قبل الأذان الثاني، كما أن بعضهم ظن عدم وجود كراهة أصلاً قبل الأذان الثاني، وكلا الإطلاقين غير دقيق، بل محل الكراهة مخصوص بما تقدم.

وأما الخلاف في المذهب المالكي:

فالمتفق عليه في الجملة أن البيع بعد الأذان الذي يجب عنده السعي إلى الجمعة محرم على من تلزمه الجمعة، وأنه يفسخ إذا وقع في ذلك الوقت على المشهور.

وأما قبل الأذان الثاني فليس الحكم على مرتبة واحدة عند المالكية:

وأما ما قبل الأذان الثاني فليس محلُّه كالمحل الذي بعده؛ لأن خليلًا إنما رتب التحريم والفسخ على البيع الواقع عند النداء الذي يجب معه السعي، حيث قال في مختصره: «وَحَرُمَ بَيْعٌ بِالنِّدَاءِ الثَّانِي، وَفُسِخَ».

فمفهوم كلامه أن ما قبل النداء الثاني لا يلحقه هذا الحكم من التحريم والفسخ، ولذلك اقتصر شراح المختصر عند هذا الموضع على بيان حكم ما بعد النداء.

غير أن بعض أهل المذهب أشار إلى كراهة الاشتغال بالبيع ونحوه قبل النداء الثاني لمن كان في طريقه إلى الجمعة أو كان ينبغي له التبكير والسعي، إذا كان ذلك الاشتغال سببًا في تأخير الذهاب أو منافياً لمقصود المبادرة إلى الجمعة؛ فالكراهة عند هؤلاء ليست لذات البيع، وإنما لما يفضي إليه من الاشتغال عما ينبغي من التهيؤ والسعي.

ومن هنا وقع الاشتباه؛ فظن بعض الناس أن المالكية يكرهون البيع مطلقًا قبل الأذان الثاني، وليس كذلك، كما أن نفي الكراهة مطلقًا غير دقيق أيضًا عند من اعتبر معنى الاشتغال والتأخير.

فالذي يظهر من مجموع كلام أهل المذهب أن التحريم والفسخ مختصان بما بعد النداء الثاني، وأما ما قبله فالأصل فيه الجواز، وقد تعرض له الكراهة في بعض الصور إذا اقترن بما يفوّت فضيلة التبكير أو يؤخر السعي إلى الجمعة.

وأقرب ما يُستأنس به من عبارات الشراح:

أن خليلًا خصَّ الحكم بقوله: «وحرم بيع بالنداء الثاني وفسخ»، فقيَّد التحريم والفسخ بالنداء الثاني نفسه.

وشرح ذلك الخرشي والدردير والدسوقي عند كلامهم على المختصر، فجعلوا محل التحريم هو النداء الذي يجب معه السعي إلى الجمعة.

وأما المعنى الذي يُفهم منه كراهة الاشتغال قبل ذلك لمن أخر السعي، فهو مأخوذ من تعليلهم للنهي بأن البيع يشغل عن الجمعة وعن السعي إليها، وهو ما يظهر في كلام  الحطاب وغيره عند تقرير علة المنع.

لكن ينبغي التنبه أنه لا نصًّا صريحًا للحطاب أو الدسوقي او ابن ناجي  يقول بلفظ: «يكره البيع قبل النداء الثاني لمن كان متوجهًا إلى الجمعة»، وإنما هذا تحريرٌ مستفاد من تعليلاتهم ومن تقييدهم التحريم بالنداء الثاني.

لذلك ليس المراد من قول خليل: «وحرم بيع بأذان ثان وفسخ» أن ما قبل الأذان الثاني جائز على الإطلاق، وإنما ذكر الأذان الثاني لأنه الوقت الذي يتعين فيه السعي على عامة الناس.

أما من كان بعيد الدار بحيث لو أخر السعي إلى الأذان الثاني فاتته الجمعة، فإن السعي يجب عليه قبل ذلك، فإذا اشتغل بالبيع عن السعي الواجب كان ممنوعًا من ذلك.

ولهذا نص بعض شراح المذهب على أن البيع قبل الأذان الثاني لا يفسخ إلا إذا وجب عليه السعي قبله فاشتغل بالبيع عنه. كما قرر ابن ناجي أن البعيد الذي تفوته الصلاة إن لم يسع عند الأذان الأول يجب عليه السعي حينئذ.

وعليه فالعبرة في المنع بوقت وجوب السعي في حق المكلف، لا بمجرد الأذان الثاني.

وأما الخلاف المنقول في كتب المذهب فمحله في الفسخ والمضي بعد وقوع العقد، لا في جواز الاشتغال بما يفوت السعي الواجب؛ ولذلك نقل الحطاب اتفاق أهل المذهب على أن الإقدام على البيع إذا شغل عن السعي الواجب لا يجيزه أحد.

وأما كراهة الاشتغال بالبيع لمن خرج قاصدًا الجمعة قبل وقت وجوب السعي، فلم أقف فيما بين يديَّ من نصوص المذهب على تصريح بها، 

نعم، يمكن أن يُخرَّج هذا المعنى على أصل سد الذرائع عند المالكية، لكن بصياغة احترازية، لا على أنه حكم منصوص في هذه المسألة بعينها.

فالفرق بين الأمرين مهم:

 نقول: "نص المالكية على كراهة البيع لمن خرج إلى الجمعة قبل وقت وجوب السعي"، فهذا يحتاج إلى نص خاص ممن سبقونا من الفقهاء.

وأن نقول: "يمكن تخريج كراهة ذلك على أصل سد الذرائع عند المالكية"، فهذا وجه اجتهادي معتبر

فتخريجها على أصل سد الذرائع عند المالكية غير بعيد؛ لأن البيع في هذه الحال قد يكون وسيلة إلى التأخر عن المقصود الشرعي من التبكير والسعي إلى الجمعة، لا سيما إذا كان الاشتغال به مظنة فوات فضيلة التبكير أو التأخر عن السعي الواجب. إن الاشتغال بالبيع بعد الشروع في التوجه إلى الجمعة، وإن لم يبلغ وقت وجوب السعي، لا يظهر كراهته من النصوص ، لكن لا يبعد القول بكراهته تخريجًا على أصل سد الذرائع؛ لأن ما قرب من وقت السعي وكان مظنة الاشتغال عنه أُلحق به من جهة المعنى لا من جهة النص

وقولنا غير بعيد لأن المالكية لا يسدون كل ذريعة محتملة، وإنما الذريعة عندهم تكون:

كثيرة الوقوع،

أو غالبًا ما تفضي إلى المفسدة،

أو ظاهرة الإفضاء إليها.

فإذا كان شخص خرج مبكرًا جدًا للجمعة، ثم اشترى شيئًا يسيرًا لا يشغله ولا يؤخره، فالتخريج هنا يضعف.

أما إذا كان قد توجه للمسجد، وأخذ يساوم ويبيع ويشتري في السوق في وقت يقترب فيه من السعي، فالتخريج على سد الذريعة أقوى.