جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.

عندما تتدهور أخلاق الصوفية

 عندما تتدهور أخلاق الصوفية (!!)
من أكثر ما هزَّ مشاعري ومن أكثر ما آلمني في هذا الجدل أن أرى بعض الناس يخاطب الشيخ الدكتور سعيد فودة - وفقه الله- بقوله: "يا سعيد "! 
حتى الأقران لم يفعلوها  يا فتى (!!)
أيُّ أدبٍ هذا؟! وهل هكذا تُخاطَب قامات العلم؟! ولو كان رجلًا من عامة المسلمين لاشتهجنَّا هذه الطريقة، فكيف إذا كان عالمًا أفنى عمره في التدريس والتأليف والمناظرة، وهو من قامات أهل السنة في هذا العصر، بشهادة الموافق والمخالف، وباعتراف خصومه قبل محبيه؟
فإن من أبجديات الأدب أن تقول: الشيخ سعيد فودة، أو الدكتور سعيد فودة، أو الشيخ الدكتور سعيد فودة. أما أن تُجرِّده من كل لقبٍ علمي وتخاطبه مخاطبة الندِّ أو من هو دونه، فلا أراه إلا صورةً من صور الاستخفاف وقلة التوقير، وهو خلق لا يليق بطالب علم، فضلًا عمن يتصدر للكلام في مسائل الشريعة.
لقد قال النبي ﷺ: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويعرف لعالمنا حقه». 
فتعظيم أهل العلم وتوقيرهم من أخلاق الإسلام، وليس من باب العصمة لهم أو منع نقدهم.
ولو كنت لا ترى الشيخ الدكتور سعيد فودة كبيرًا في العلم، أو لا توافقه في اجتهاداته، فهذا لا يسوغ لك أن تهبط بخطابك إلى هذا المستوى؛ فإن الرجل له منزلته العلمية المعروفة، واحترامه من احترام العلم نفسه. والخلاف العلمي لا يبيح إسقاط الأدب، ولا يحول العلماء إلى أنداد يُنادَون على سبيل الاستخفاف.
ثم جاء من شوَّه أصل القضية بقوله: «اعتراضي على أن يجعل اجتهاده ملزمًا للأمة». بل الواضح انهم من يريدون الشيخ ان يسكت او يقول بقولهم !!
وهذا قلبٌ لمحل النزاع؛ فإن الشيخ الدكتور سعيد فودة لم يقل يومًا: اقبلوا قولي لأنه قولي، وإنما يقرر ما يراه بالدليل، ثم يناقش الأدلة، ويطلب من مخالفه أن يناقشها. أو يسلموا للدليل لا لشخصه فمن رأى أن دليله ضعيفًا فليبين وجه ضعفه، ومن رأى أن استدلاله فاسدًا فليفنده، أما اختزال المسألة في شعار: «يريد أن يُلزم الأمة باجتهاده»، فليس جوابًا علميًا، بل هو هروب من مناقشة الحجة إلى التشنيع على صاحبها.
إن ميزان أهل العلم واضح: ناقش الدليل بالدليل، ولا تهدم هيبة العلماء بسوء الأدب، ولا تجعل الشعارات بديلًا عن البرهان.
والعجيب أن هؤلاء أنفسهم إذا وافقوا إمامًا من الأئمة رجحوا قوله وعدّوا مخالفه مخطئًا، ولا يرون ذلك إلزامًا للأمة، فإذا فعل غيرهم الشيء نفسه، واتبع ما أداه إليه الدليل، صاحوا: "يريد إلزام الأمة باجتهاده"!
إن ميزان أهل العلم لا يتغير: الدليل يُقابَل بالدليل، والحجة بالحجة، وأما سوء الأدب مع العلماء فلا يزيد صاحبه إلا سقوطًا، ولا يزيد العالم إلا رفعةً عند المنصفين.
#زياد_حبوب_ابورجائي
#مجالس_المذاهب

لا حجة معهم ولا دليل يدافعون عن ابن عربي

 لماذا لا نرى من أكثر المعترضين إلا التشويش والتهويل، ولا نرى ردًّا علميًا على أدلة الشيخ سعيد؟
الجواب واضح؛ لأن الرد العلمي يقتضي دليلًا، والدليل هو ما يفتقدونه. ولو كان لديهم نص واحد صريح من الكتاب أو السنة أو إجماع معتبر يشهد لتلك الأقوال، لسارعوا إلى إبرازه، لكنهم يكتفون بإثارة الضجيج، والطعن في الأشخاص، وصرف الأنظار عن أصل المسألة.
ثم إذا أُلزموا بالحجة قالوا: هذا فوق طور العقل! وكأن المطلوب من المسلم أن يعتقد ما يصادم العقل السليم الذي جعله الله طريقًا لفهم الوحي. نعم، قد تأتي الشريعة بما تحار فيه العقول، لكنها لا تأتي بما يحيله العقل الصريح. ولذلك امتلأ القرآن بالدعوة إلى التعقل والتفكر والتدبر: ﴿أفلا تعقلون﴾، ﴿أفلا يتدبرون﴾، ﴿لقوم يعقلون﴾، ﴿لقوم يتفكرون﴾.
أما ابن عربي، فله ما اختاره من الأقوال، وحسابه على الله تعالى، ولسنا نتولى الحكم على مصيره. لكن أقواله ليست وحيًا، ولا هي فوق النقد، ولا يجوز أن تُجعل معيارًا تُحمَل عليه الشريعة.
إنما الشريعة لها حراس من العلماء، يذبون عنها، ويميزون صحيح الأقوال من سقيمها. ولو تُرك كل أحد يقول في دين الله ما شاء، ثم مُنع الناس من مناقشته بحجة مكانته أو شهرته، لاختلط الحق بالباطل، والتبس الهدى بالضلال، ولما بقي للعلم ميزان ولا للشرع ضابط.
فإن كنتم ترون أن الشيخ سعيد قد أخطأ، فهاتوا الدليل، وناقشوا الحجة بالحجة. أما الصخب، والاتهامات، وتقديس الأشخاص، فلن تجعل الباطل حقًا، ولن تُسقط دليلًا واحدًا من أدلة الشيخ.

كون ابن عربي شخصيةً جدلية، لها مؤيدون ولها مخالفون، فهذا أمر لا ينازع فيه أحد، وليس هو محل النقاش أصلًا، ولا هو موضوع المنشور.
إنما الكلام في أمرين:
الأول: رفض رفع أي عالم -ومنهم ابن عربي- فوق النقد العلمي، بحيث يُستنكر مجرد مناقشة أقواله.
والثاني: رفض ما يصاحب ذلك من إساءة الأدب في الحوار والطعن في العلماء.
فمن رأى أن الشيخ سعيد أخطأ، فليأت بالحجة والدليل، وليناقش كلامه مناقشة علمية، فهذا هو سبيل أهل العلم.
أما تحويل النقاش إلى تجريح وسخرية وسوء أدب، فهذا لا يخدم الحقيقة، ولا يليق بطالب علم، فضلًا عن أن يكون مع شيخ جليل له مكانته العلمية، هو عند كثير من أهل السنة أحد أبرز رموزهم في هذا العصر.
فلتُقارع الحجة بالحجة، والبرهان بالبرهان، مع حفظ أدب الخلاف وتوقير أهل العلم، فهذا هو المنهج الذي ينبغي أن يسود.

ومن قال ان ابن عربي منزه عن الخطأ
ومن قال ان ابن عربي لا يخضع للمسائلة هل جعلتموه نبياً
قولك: *"شيخكم لا شغل له إلا ابن عربي"* ليس وصفًا دقيقًا للواقع، وإنما هو اختزال لا يغيّر من حقيقة المسألة شيئًا.
إنما يكثر الكلام على ابن عربي لكثرة ما وقع في كتبه من العبارات المخالفة التي استدعت بيانها والتحذير منها عند طائفة كبيرة من أهل العلم، فلا يُستغرب أن يكثر الرد عليه بقدر كثرة ما أثاره من إشكالات.
ثم إن ابن عربي نفسه لم يكن متابعًا للأشاعرة في كثير من المسائل، بل خالفهم في مواضع عديدة، بل واختار في بعض القضايا أقوالًا أقرب إلى المعتزلة، فكيف يُستنكر أصل الرد عليه؟! وهل صار مجرد الانتساب إلى التصوف مانعًا من مناقشة آرائه؟
ويبقى السؤال: هل قرأتَ **الفتوحات المكية** قراءةً متأنية؟ وهل وقفت على المواضع الكثيرة التي خالف فيها عقيدة أهل السنة، ومنهم الأشاعرة؟ هذا فضلًا عن كتبه الأخرى، وعلى رأسها **فصوص الحكم**، الذي اشتمل على عبارات طالما أنكرها كبار العلماء وحذروا منها.
فالرد على ابن عربي ليس لشخصه، وإنما هو ردٌّ على ما يُرى أنه مخالف للحق، والميزان في ذلك الدليل، لا الأسماء ولا المكانة.

شراء خضار أو فواكه مختلفة مجتمعة في كيس واحد

على مذهب المالكية، يجوز شراء خضار أو فواكه مختلفة مجتمعة في كيس واحد، ويكون الوزن للجميع بسعر واحد للكيلوغرام، إذا توفرت الشروط الآتية:
1. أن يكون سعر الكيلو موحدًا لجميع الأنواع، فلا يكون بعضها أغلى من بعض في العقد.
2. أن يكون المبيع معلومًا بالمشاهدة، بحيث يرى المشتري ما في الكيس، أو يكون الوصف كافيًا لرفع الجهالة.
3. أن يوزن الجميع عند البيع، فيكون الثمن معلومًا بناءً على الوزن.
4. ألا يكون في ذلك غش أو تدليس، كإخفاء الرديء تحت الجيد أو خلط الفاسد بالصالح.
ولا يضر كون الكيس يشتمل على أنواع متعددة؛ لأن الجميع يباع بيعًا واحدًا بثمن معلوم، والغرر منتفٍ غالبًا.
 التعليل عند المالكية
المقصود في البيع هو العلم بالمبيع والثمن، فإذا كان المبيع مشاهدًا، والوزن معلومًا، والثمن محددًا (مثل: دينار لكل كيلو من هذا الخليط)، صح البيع، ولا يشترط أن يفرد كل نوع ببيع مستقل.
أما لو كان:
 لكل نوع سعر مختلف، ثم بيع الجميع بسعر واحد دون معرفة مقدار كل نوع، فقد يفضي ذلك إلى الجهالة والنزاع، فلا يجوز بهذه الصورة إلا بعد تمييز كل نوع أو التراضي على بيع الجميع صفقة واحدة بقيمة معلومة لا تتعلق بسعر كل صنف على حدة.
فالجواب المختصر:
يجوز عند المالكية شراء خليط من الخضار أو الفواكه في كيس واحد إذا بيع الجميع بالوزن، وكان سعر الكيلو موحدًا، وكان المبيع معلومًا خاليًا من الغش والجهالة.
أما قول بعضهم هذه المعاملة لا تحلّ على قواعد مذهب المالكيّة؛ لوجود الجهالة حيث لا نعلم حين العقد الثمن التفصيلي لكلّ من البرتقال والتفاح، وذلك لجهالة وزن كلّ واحد منهما مع اختلافهما من ناحية القصد، ولو كانا معلومين على وجه الجملة؛ إذ إنّ البيع قد وقع على عقدين مع الجهل بالقدر المشترى لكلّ من السلعتين، فآل ذلك إلى الجهل بالثمن على جهة التفصيل لاختلاف وزنهما، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر (رواه مسلم). وهذه المعاملة من قبيل الغرر المفسد للبيع.
هذا الكلام لا أراه موافقًا للمعتمد في المذهب المالكي على إطلاقه، بل فيه عدة ملاحظات:

1. قوله: "وقع البيع على عقدين" غير مسلم.

    فالواقع أن البيع صفقة واحدة على مجموع ما في الكيس، وليس عقدين مستقلين على البرتقال والتفاح.
    لو قال البائع: "بعتك هذا الكيس بما فيه، وزنُه خمسة كيلو، وسعر الكيلو دينار"، فقد وقع العقد على مبيع واحد مجموع.

2. قوله: "لا نعلم الثمن التفصيلي لكل من البرتقال والتفاح".

    لا يشترط في صحة البيع معرفة الثمن المنسوب إلى كل جزء من أجزاء المبيع إذا بيع الجميع صفقة واحدة.
    نظيره أن يبيع دارًا فيها غرف متعددة، أو قطيعًا من الغنم بثمن واحد، أو صبرة من الطعام تختلف حباتها جودةً ورداءةً، فلا يلزم معرفة ما يقابل كل جزء من الثمن.

3. الاستدلال بحديث النهي عن الغرر.

    هذا استدلال عام، لكن لا بد من إثبات وجود الغرر المؤثر.
    فإذا كان المشتري يرى محتويات الكيس، ويعلم أن الجميع يباع بسعر موحد، فأين الغرر المفسد؟ الجهالة المنهية عنها هي التي تفضي إلى المنازعة أو يكون المبيع مجهولًا، أما هنا فالمبيع والوزن والثمن معلومون.

4. اختلاف القصد بين البرتقال والتفاح.

    مجرد اختلاف الجنس أو القصد لا يمنع من بيعهما في صفقة واحدة.
    المالكية يجيزون بيع أشياء متعددة في عقد واحد إذا كانت معلومة، ولم يوجد مانع آخر.

 متى يكون الإشكال صحيحًا؟

لو كان: البرتقال سعره ديناران للكيلو.
 والتفاح ثلاثة دنانير للكيلو.
ثم وُزن الخليط كله وقيل: "ادفع بحسب أسعارها" دون معرفة وزن كل نوع، فهنا تظهر الجهالة في الثمن، لأن مقدار ما يستحقه كل نوع مجهول.
أما إذا كان سعر الكيلو واحدًا للجميع، فلا تظهر هذه الجهالة؛ لأن الثمن يحسب على الوزن الإجمالي فقط.
 الخلاصة
أرى أن العبارة التي نقلتها تحتاج إلى تقييد، ولا يصح إطلاقها على الصورة المذكورة في السؤال (إذا كان سعر الكيلو واحدًا). بل أقرب إلى قواعد المالكية أن يقال:

 إذا بيع خليط من الفواكه أو الخضار وكان الجميع بسعر واحد للكيلوغرام، وعُلم المبيع بالمشاهدة، وعُرف الوزن الإجمالي، فالظاهر صحة البيع؛ لأنه بيعٌ واحد على مجموع معلوم، ولا يضر عدم معرفة وزن كل نوع على انفراده، إذ لا يتوقف عليه معرفة الثمن.


مسألة مُدُّ عجوة ودرهم

 مسألة «مُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ» هي من مسائل الرِّبا في البيوع، وضُربت بها الأمثال عند الفقهاء في اجتماع مالين أحدهما ربوي والآخر غير ربوي في عقد واحد.
ومعناها: أن يبيع شخصٌ مُدًّا من تمر العَجْوَة (وهي نوع معروف من التمر) مع درهمٍ، مقابل شيء من جنس التمر، أو مقابل مال ربوي آخر.
وصورتها المشهورة:
أن يقول رجل: بعتك مُدَّ عجوةٍ ودرهمًا بدرهمين، أو بمُدَّي عجوةٍ، ونحو ذلك.
وجه الإشكال: أن العقد جمع بين شيئين:
 التمر: وهو من الأصناف الربوية التي يجري فيها الربا إذا بيع بجنسه.
 الدرهم: وهو من الأثمان (الذهب والفضة قديمًا) وهو أيضًا ربوي.
فإذا كان المقابل مجهولَ التقسيم: هل العوض في مقابلة التمر أم الدرهم؟ وقع الاشتباه، ولذلك اختلف الفقهاء في حكم هذه الصورة.
وعند المالكية تُذكر هذه المسألة ضمن باب الصرف وبيع الطعام الربوي، ويُنظر فيها إلى اجتماع الربوي مع غيره، وإلى ما يترتب عليه من جهالة أو تحايل على الربا.
وسميت بـ «مد عجوة ودرهم» لأن هذه الصورة اشتهرت في كتب الفقه، حتى صارت كناية عن كل عقد اجتمع فيه ربوي مع غير ربوي بحيث يخشى أن يكون أحدهما ستارًا للربا.
.2- الحنفية
عند الحنفية الأصل أن العقد يفسد إذا كان فيه ربا أو جهالة مؤدية إليه؛ لأن وجود الربوي مع غير الربوي لا يمنع عندهم إذا كان العوضان معلومين، لكن إذا جهل مقدار ما يقابل الربوي دخلت الجهالة المفسدة.
وفي صورة مد عجوة ودرهم بدرهمين: يمنعونها.
3- الشافعية
عند الشافعية المشهور البطلان؛ لأنهم يرون أن العوض الربوي لا بد أن يكون معلومًا، وهنا لا يعلم هل الدرهم بالدرهم أو الدرهم مقابل التمر، فيقع الربا أو الجهالة.
لكن لهم تفصيل: إن كان الجزء غير الربوي هو المقصود، أو كان يمكن تقويمه وضبطه، ففي بعض الصور خلاف.
4- الحنابلة
عند الحنابلة فيها روايتان مشهورتان:
المنع: وهو قريب من قول الجمهور؛ للجهالة وخوف الربا.
الجواز في بعض الصور إذا كان المقصود غير الربوي أو كان الجزء الربوي تابعًا، واستدلوا بأن النبي ﷺ قال: «بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا»، فدل على جواز الفصل بين الأمرين.

بيان حقيقة ما يقرره الدواني

إن من يطالع كلامه في "إثبات الواجب الزوراء والحوراء" يجد أنه لا يتحدث عن مجرد علاقة العلة بالمعلول على الطريقة المعروفة عند المتكلمين، وإنما يجعل المعلول وجهًا من وجوه العلة واعتبارًا من اعتباراتها، وينفي عنه الوجود المستقل، حتى تنتهي القضية إلى أن الكثرة ليست إلا تعينات واعتبارات للوجود الواحد.
وهذا ليس هو مذهب أهل السنة، ولا هو مذهب جمهور المتكلمين، بل هو أقرب إلى الأصول التي قامت عليها نظرية وحدة الوجود، وإن اختلفت العبارات أو امتزجت ببعض المصطلحات الإشراقية والفلسفية.
أما تصور أهل السنة : وهو مذهب المتكلمين 
المتكلمون يقولون: إن العلة -أي المؤثر- غير المعلول، فالفاعل غير المفعول، والخالق غير المخلوق. فالعلة تُوجد المعلول، لكن بعد وجوده يكون للمعلول وجود حقيقي يغاير وجود علته، وإن كان مفتقرًا إليها في الإيجاد والإبقاء. فإذا خلق الله تعالى العالم، فالعالم موجود حقيقة، لكنه ليس عين الله، ولا جزءًا منه، ولا وجهًا من وجوه ذاته، بل هو مخلوق منفصل عنه، قائم بإيجاده سبحانه. ولهذا يقررون أن بين الخالق والمخلوق المغايرة، وإن كان المخلوق مفتقرًا إلى خالقه في كل لحظة.
أما الدواني :  يزيد على ذلك بأن المعلول ليس له وجود مستقل مغاير للعلة أصلاً، بل هو وجه من وجوهها، واعتبار من اعتباراتها، وشأن من شؤونها. ومعنى هذا أن الكثرة التي نراها في الموجودات ليست عنده موجودات مباينة للعلة، وإنما هي تجليات أو تعينات أو اعتبارات لذلك الوجود الواحد.
فهو لا يتحدث عن مجرد علاقة العلة بالمعلول؛ لأن العلاقة عند المتكلمين تكون بين شيئين متغايرين: علة ومعلول. أما هنا فالمغايرة تكاد ترتفع، ويصبح المعلول ليس شيئًا آخر غير العلة، وإنما هو كيفية من كيفيات ظهورها أو اعتبار من اعتباراتها.
لذلك فلو ثبت أن الدواني يقول بالفعل: "المعلول وجه من وجوه العلة واعتبار من اعتباراتها وليس له وجود مغاير لها"، فإن الاعتراض لا يكون على مجرد استعمال لفظ "العلة والمعلول"، وإنما على المضمون الذي يرفع التغاير الحقيقي بين المؤثر والأثر، وهو ما يخالف ما عليه أهل السنة من إثبات المغايرة الحقيقية بين الخالق والمخلوق، مع افتقار المخلوق إلى خالقه في إيجاده وبقائه.

ولهذا فإن الاحتجاج بكلام الدواني لمجرد مكانته العلمية لا يستقيم؛ إذ العالم قد يصيب في مسائل ويخطئ في أخرى، والعبرة بالدليل لا بالأسماء. فلا يلزم من تعظيم الدواني في علوم كثيرة قبول جميع ما قرره في هذه المباحث الفلسفية والعرفانية، كما لا يلزم من نقد هذه الأقوال الطعن في منزلته العلمية.

ومن تأمل كلام أئمة أهل السنة وجد أنهم يقررون تغاير الخالق والمخلوق، وأن الله تعالى بائن عن خلقه، وأن المخلوقات موجودة بإيجاده وإرادته، لا أنها مجرد وجوه واعتبارات قائمة بذاته سبحانه. وهذا أصل قطعي دل عليه الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وهو مناقض للأساس الذي تقوم عليه نظريات وحدة الوجود.
فليس الإشكال في أن الدواني استعمل لفظ **العلة والمعلول**، فإن هذا اصطلاح معروف عند الفلاسفة والمتكلمين، وإنما الإشكال في حقيقة العلاقة التي قررها بينهما.
فالمتكلمون كافة، ومنهم أهل السنة، وإن قالوا إن المعلول مفتقر إلى علته، فإنهم يثبتون له وجودًا حقيقيًا مغايرًا لوجود علته؛ فالخالق غير المخلوق، والفاعل غير المفعول، والمؤثر غير الأثر، وهذه المغايرة أصل من أصول التوحيد دل عليه الكتاب والسنة والعقل السليم.
أما الدواني في هذا الموضع، فإنه لا يكتفي بإثبات الافتقار، بل يصرح بأن المعلول **وجه من وجوه العلة، واعتبار من اعتباراتها، وشأن من شؤونها، وليس له وجود مستقل عنها**. وهذا ليس مجرد تفسير للعلية، بل هو إلغاء للمغايرة بين العلة والمعلول، وردّ للكثرة إلى مجرد اعتبارات وتعينات للوجود الواحد.
وهذا بعينه هو الأصل الذي تقوم عليه وحدة الوجود؛ فإن أصحابها لا ينكرون ظهور الكثرة، وإنما ينكرون أن تكون لها حقيقة وجودية مباينة للوجود الواحد، ويجعلون الموجودات وجوهًا وتجليات واعتبارات لذلك الوجود. فاختلاف الألفاظ لا يغير من حقيقة المذهب شيئًا.
ومن هنا كان الاحتجاج بكلام الدواني على أنه يمثل مذهب أهل السنة من أعجب ما يكون؛ فإن أهل السنة يقررون أن الله سبحانه موجود، والعالم موجود، لكن وجود العالم مخلوق حادث، مباين لوجود خالقه، قائم بإيجاده سبحانه لا بذاته، وليس العالم صفة لله، ولا شأنًا من شؤونه، ولا وجهًا من وجوه ذاته، ولا تعينًا من تعيناتها، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
ومن زعم أن المخلوقات ليست إلا صورًا قائمة بالحق، أو اعتبارات فيه، أو شؤونًا له، فقد ناقض ما دلت عليه نصوص الوحي من إثبات الخلق الحقيقي، والربوبية الحقيقية، والمغايرة الحقيقية بين الرب وعباده، وإن تستر وراء ألفاظ فلسفية أو إشراقية أو عرفانية.
ولهذا فإن مجرد نسبة هذا القول إلى الدواني لا تكسبه صحة، كما أن موافقة ابن عربي له فيه ليست تزكية له، بل هي قرينة على أن المصدر الفكري واحد، وإن اختلفت العبارات والأساليب. والحق لا يعرف بالرجال، وإنما يعرف بموافقته للوحي وإجماع الأمة، فما وافقهما قبل، وما خالفهما رد على قائله كائنًا من كان.
فمثلا من أخطر ما في مقدمته قوله في شرح عنوان الرسالة:
"قوله: (الحمد لله لوليه بذاته) أي الضمير الأول راجع إلى الحمد، والثاني إلى ذاته، وضمير بذاته راجع إلى الله تعالى، بمعنى أنه لا يحتاج في رجوعه إليه إلى وجه حامل يدل عليه، فإن حقيقة الحمد إظهار الصفات الكمالية..." ثم يقرر أن جميع الكمالات راجعة إلى الحقيقة الإلهية، وأن الصور الظهورية متفرعة عنها.
وهذا ليس مجرد كلام في اللغة، بل هو تفسير مبني على مذهبه في الوجود، ويتضح ذلك من عباراته
وبيان عقيدته الفاسدة المخالفة لأهل السنة
النصوص بالفعل أخطر بكثير مما كنت أظن. فالدواني هنا لا يتكلم عن مجرد احتياج المعلول إلى العلة، بل يقرر عدة أصول متلازمة:
أن العلة هي الحقيقة، وما سواها ظهور لها، إذ يقول:  «العلة التي بحقيقتها ما يكون سببًا... فإن ما هو علة لظهور مثلاً فليس بحقيقة علة، بل هو صنف من أوصافه، وهو ظاهر...» فهو يجعل ما يسمى علة إنما هو ظهور للحقيقة لا شيئًا مباينًا لها.
ثم يصرح بأن:
«المعلول إذن ليس إلا اعتبارًا محضًا، فهو من حيث نسبته إلى العلة، وعلى النحو الذي انتسب إليها، كان له تحقق، وإن اعتبر ذاتًا مستقلة كان معدومًا باطلًا.» وهذه العبارة في غاية الخطورة؛ لأنه لا يقول: المعلول مفتقر، بل يقول: إذا اعتبرته ذاتًا مستقلة فهو معدوم باطل. أي إن استقلال المعلول بالوجود عنده أمر باطل.
ثم يقرر النتيجة صراحة:  «لما كان منتهى سلسلة العلة واحدًا... فهو الذات الحقيقية، والكل شؤونه وحيثياته ووجوهه...»  فهذه العبارة لا تحتمل كثيرًا من التأويل؛ لأنه جعل الكل شؤونًا للذات ووجوهًا لها، ولم يقل: مخلوقات أوجدها.
ثم يؤكد ذلك بقوله:
«فزوال المعلول بالحقيقة ظهور العلة بطور آخر، وكمال لوحدته... فهو إذن مزايلة العلة لاعتباراتها، وتطورها في شؤون ذاتها.»
أي إن الفناء والحدوث ليس انتقالًا بين موجودين متغايرين، وإنما تبدل أطوار واعتبارات للذات الواحدة.
لماذا يعد هذا من أصول وحدة الوجود؟
لأن أهل السنة يقولون:
الله موجود.  والعالم موجود.
لكن وجود العالم غير وجود الله، وهو مخلوق حادث أوجده الله من العدم.
أما الدواني فيقول:
الموجود بالحقيقة واحد. وما يسمى معلولًا ليس إلا اعتبارًا. وإذا اعتبرته ذاتًا مستقلة فهو باطل.
والكل شؤون الذات ووجوهها. وزوال المعلول انتقال العلة بين شؤونها.
وهذا ليس مجرد الافتقار، بل نفي للمغايرة الحقيقية بين العلة والمعلول.
ولهذا فإن من يعرف اصطلاح ابن عربي والقونوي لا يكاد يفرق بين هذه العبارات وبين قولهم: "الأعيان تعينات للوجود الواحد."
أو:  "الكثرة نسب وإضافات."
فالاختلاف في اللفظ، لا في أصل المعنى.
فمن أراد أن ينصر هذه الأقوال، فليأت بالدليل على صحتها، لا بمجرد نسبة القول إلى الدواني أو غيره؛ فإن الحق يعرف بدليله، لا بقائله.
ولهذا فإن من يحتج بكلام الدواني على أهل السنة، فكأنه يحتج على أهل السنة بما يخالف أصل مذهبهم؛ إذ لم يقل أحد من أئمة أهل السنة إن العالم صفات لله، أو شؤون له، أو تعينات لذاته، وإنما هذا من الألفاظ التي اشتهرت عند الاتحادية وأرباب وحدة الوجود.
وأهل السنة الأشاعرة براء من هذه التقريرات
إن من يزعم أن الدواني في هذه العبارات يقرر مذهب أهل السنة، فقد نسب إلى أهل السنة ما هم منه براء.
فأهل السنة لم يقولوا قط إن المخلوقات اعتبارات محضة، ولا إنها شؤون الذات الإلهية، ولا إنها وجوهها وحيثياتها، ولا أن استقلالها بالوجود باطل معدوم.
بل أجمعوا على أن الله سبحانه خالق، وأن الخلق غيره، وأن حقيقة الخلق هي إيجاد موجود مباين للخالق، لا ظهور الخالق بطور جديد، ولا انتقال الذات بين شؤونها.
ولهذا كانت عبارات الدواني هنا متفقة مع البناء الفلسفي العرفاني الذي قرره ابن عربي والقونوي، وإن صيغت بعبارات العلة والمعلول بدل التجليات والتعينات؛ إذ المدار ليس على الألفاظ، وإنما على المعاني. فإذا كان المعلول ليس له وجود مستقل، وإنما هو اعتبار، والكل شؤون الذات ووجوهها، وزواله انتقال للذات في أطوارها، فأي فرق جوهري بقي بين هذا وبين وحدة الوجود؟
ولهذا فلا يصح أن يُحتج بهذه العبارات على أهل السنة، بل هي من المواضع التي يظهر فيها تأثر الدواني بالإشراقية والعرفان النظري، وخروجه عن الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة من إثبات المغايرة الحقيقية بين الخالق والمخلوق، وأن المخلوقات أعيان موجودة خلقها الله، لا وجوهًا لذاته، ولا شؤونًا قائمة بها، ولا اعتبارات ذهنية لها.
والحمد لله على الاسلام والحمد لله على السنة كما قال سبدنا الإمام أحمد بن حنبل

خِيَارَاتُ الْبَيْعِ الْمُعْتَمَدَةُ فِي الْمَذْهَبِ الْمالِكيِّ

هَذِهِ هِيَ الْخِيَارَاتُ الْمُعْتَمَدَةُ فِي الْمَذْهَبِ، مُوَزَّعَةً عَلَى الْقِسْمَيْنِ الرَّئِيسَيْنِ :
أَوَّلًا: خِيَارَاتُ التَّرَوِّي وَالِاخْتِيَارِ
1. خِيَارُ الشَّرْطِ:
o نُبْذَةٌ عَنْهُ: هُوَ أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ أَوْ كِلَاهُمَا مُدَّةً مَعْلُومَةً لِلتَّفَكُّرِ وَالِاسْتِشَارَةِ قَبْلَ إِمْضَاءِ الْعَقْدِ.
o نَازِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ: شِرَاءُ آلَةٍ صِنَاعِيَّةٍ مِنْ مَوْقِعٍ تِجَارِيٍّ مَعَ تَفْعِيلِ مِيزَةِ حَقِّ التَّجْرِبَةِ وَالِارْتِجَاعِ خِلَالَ 7 أَيَّامٍ لِتَجْرِبَتِهَا فِِي الْمَصْنَعِ.
2. خِيَارُ النَّقْدِ:
o نُبْذَةٌ عَنْهُ: هُوَ أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَأْتِيَ بِالثَّمَنِ فِي مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ لَا تَتَجَاوَزُ الثَّلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ جَاءَ بِهِ لَزِمَ الْبَيْعُ وَإِلَّا فُلَا.
o نَازِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ: حَجْزُ أَقْمِشَةٍ عَبْرَ مَتْجَرٍ إِلِكْتْرُونِيٍّ، مَعَ شَرْطِ النِّظَامِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَتِمَّ السَّدَادُ خِلَالَ 24 سَاعَةً يُلْغَى الْحَجْزُ آلِيًّا.
3. خِيَارُ الْمَشِيئَةِ (الْاستِئْمَارِ):
o نُبْذَةٌ عَنْهُ: هُوَ أَنْ يَعْقِدَ الشَّخْصُ الْبَيْعَ مَشْرُوطاً بِرِضَا أَوْ مَشِيئَةِ شَخْصٍ آخَرَ خَارِجٍ عَنِ الْعَقْدِ كَأَهْلِ الْخِبْرَةِ.
o نَازِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ: أَنْ يَشْتَرِيَ مُهَنْدِسٌ بَرْمَجِيَّةً لِشَرِكَتِهِ، وَيَشْتَرِطَ فِِي الْعَقْدِ أَنَّ الْبَيْعَ مَوْقُوفٌ عَلَى مُوَافَقَةِ مُدِيرِ قِسْمِ تِقْنِيَّةِ الْمَعْلُومَاتِ بَعْدَ فَحْصِهَا.
4. خِيَارُ التَّعْيِينِ:
o نُبْذَةٌ عَنْهُ: أَنْ يَشْتَرِيَ أَحَدَ شَيْئَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، عَلَى أَنْ يَقُومَ بِاخْتِيَارِ وَتَعْيِينِ وَاحِدٍ مِنْهَا فَقَطْ خِلَالَ مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ.
o نَازِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ: قِيَامُ شَرِكَةٍ بِشِرَاءِ نِظَامٍ أَمْنِيٍّ رَقْمِيٍّ، وَتَشْتَرِطُ عَلَى الْمُوَرِّدِ مَنْحَهَا 3 أَيَّامٍ لِتَعْيِينِ وَاخْتِيَارِ وَاحِدٍ مِنْ بَيْنِ ثَلَاثِ بَاقَاتٍ مَعْرُوضَةٍ.
5. خِيَارُ الرُّؤْيَةِ:
o نُبْذَةٌ عَنْهُ: هُوَ الْخِيَارُ الَّذِي يَثْبُتُ حُكْماً لِمَنْ اِشْتَرَى سِلْعَةً غَائِبَةً لَمْ يَرَهَا وَلَمْ تُوصَفْ لَهُ، فَلَهُ الْخِيَارُ إِذَا رَآهَا عَيْنًا بَيْنَ قَبُولِهَا أَوْ رَدِّهَا.
o نَازِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ: شِرَاءُ سَيَّارَةٍ مُسْتَعْمَلَةٍ عَبْرَ مِنْصَّةٍ مَحَلِّيَّةٍ بِنَاءً عَلَى ذِكْرِ مَوْقِعِهَا فَقَطْ دُونَ صُوَرٍ، فَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي حَقُّ الْفَسْخِ كَامِلًا عِنْدَ مُعَايَنَتِهَا الْفِعْلِيَّةِ.
6. خِيَارُ الْمَجْلِسِ (عَلَى مُقَابِلِ الْمَشْهُورِ):
o نُبْذَةٌ عَنْهُ: هُوَ حَقُّ الْفَسْخِ لِكِلَا الْعَاقِدَيْنِ مَا دَامَا فِِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا بَدَنِيّاً، وَهُوَ قَوْلٌ أَشْهَبَ وَابْنِ حَبِيبٍ فِِي الْمَذْهَبِ.(لَيْسَ الْمُعْتَمَدُ)
o نَازِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ: أَنْ يَقُومَ شَخْصٌ بِتَوْقِيعِ عَقْدِ شِرَاءِ هَاتِفٍ دَاخِلَ الْمَحَلِّ، وَقَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْبَابِ يَبْدُو لَهُ التَّرْجِيعُ فَيَفْسَخُ الْعَقْدَ اِعْتِمَاداً عَلَى بَقَائِهِ فِِي الْمَجْلِسِ.
ثَانِيًا: خِيَارَاتُ النَّقِيصَةِ وَجَبْرِ الْخَلَلِ
7. خِيَارُ الْعَيْبِ:
o نُبْذَةٌ عَنْهُ: هُوَ حَقُّ الْمُشْتَرِي فِِي رَدِّ السِّلْعَةِ إِذَا اِكْتَشَفَ فِيهَا عَيْباً قَدِيماً خَفِيّاً يَنْقُصُ مِن مَنْفَعَتِهَا الْعُرْفِيَّةِ.
o نَازِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ: شِرَاءُ شَاشَةِ تِلِفْزِيُونٍ جَدِيدَةٍ، ثُمَّ تَبَيُّنُ وُجُودِ نِقَاطٍ سَوْدَاءَ مَيِّتَةٍ خَفِيَّةٍ فِي زَوَايَا الشَّاشَةِ (بِكْسِلَاتٍ تَالِفَةٍ).
8. خِيَارُ الْخُلْفِ فِي الصِّفَةِ:
o نُبْذَةٌ عَنْهُ: يَثْبُتُ إِذَا بِيعَتِ السِّلْعَةُ الْغَائِبَةُ بِنَاءً عَلَى أَوْصَافٍ مَشْرُوطَةٍ، ثُمَّ جَاءَتْ عِنْدَ التَّسْلِيمِ مُخَالِفَةً لِتِلْكَ الْأَوْصَافِ.
o نَازِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ: طَلَبُ حَاسُوبٍ بِمَوَاصِفَاتٍ رَقْمِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ (مِثْلُ ذَاكِرَةِ 32 جِيجَابَايْت)، فَلَمَّا تَسَلَّمَهُ الْمُشْتَرِي وَجَدَهُ بِمَوَاصِفَاتٍ أَقَلَّ (16 جِيجَابَايْت).
9. خِيَارُ الْغَبْنِ (الْمُسْتَرْسِلِ):
o نُبْذَةٌ عَنْهُ: يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي الْجَاهِلِ بِالْأَسْعَارِ إِذَا اُشْتُرِيَتِ السِّلْعَةُ بِزِيَادَةٍ فَاحِشَةٍ خَرَجَتْ عَنِ الْعُرْفِ (كَالثُّلُثِ) بِسَبَبِ غِشِّ الْبَائِعِ.
o نَازِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ: سَائِحٌ لَا يَعْرِفُ أَسْعَارَ الْبَلَدِ، يَقُومُ صَاحِبُ مَتْجَرٍ بِبَيْعِهِ سَاعَةً عادِيَّةً بِأَضْعَافِ ثَمَنِهَا الْحَقِيقِيِّ اِسْتِغْلَالًا لِجَهْلِهِ بِالسُّوقِ.
10. خِيَارُ نَقْصِ الثَّمَنِ (لِلْبَائِعِ الْمَغْبُونِ):
o نُبْذَةٌ عَنْهُ: هُوَ مُقابلُ خِيَارِ الْغَبْنِ لِلْمُشْتَرِي؛ حَيْثُ يَثْبُتُ لِلْبَائِعِ الْجَاهِلِ بِالسِّعْرِ إِذَا بَاعَ مَالَهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ جِدّاً بِسَبَبِ اِسْتِغْلَالِ الْمُشْتَرِي لَهُ، فَلَهُ الْفَسْخُ أَوْ تِكْمِلَةُ الثَّمَنِ.
o نَازِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ: وَارِثٌ جَاهِلٌ بِقِيمَةِ الْأَرَاضِي، يَقُومُ مُطَوِّرٌ عَقَارِيٌّ بِشِرَاءِ أَرْضِهِ مِنْهُ بِرُبُعِ قِيمَتِهَا الْحَقِيقِيَّةِ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ الْوَارِثُ السِّعْرَ السَّائِدَ.
11. خِيَارُ الْخَدِيعَةِ (التَّخْبِيرِ بِالثَّمَنِ):
o نُبْذَةٌ عَنْهُ: يَظْهَرَ فِِي بُيُوعِ الْأَمَانَةِ كَالْمُرَابَحَةِ؛ فَإِذَا أَخْبَرَ الْبَائِعُ أَنَّ رَأْسَ مَالِ السِّلْعَةِ مِئَةٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ كَذِبُهُ وَأَنَّهَا ثَمَانُونَ، ثَبَتَ لِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الرَّدِّ أَوْ الْحَطِّ.
o نَازِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ: مَعْرِضُ سَيَّارَاتٍ يَبِيعُ مَرْكَبَةً بِنِظَامِ الْمُرَابَحَةِ فِِي هَامِشِ الرِّبْحِ، وَيُظْهِرُ فَاتُورَةَ شِرَاءٍ مُزَوَّرَةً، فَلَمَّا تَبَيَّنَ التَّزْوِيرُ ثَبَتَ لِلْمُشْتَرِي حَقُّ الْفَسْخِ.
12. خِيَارُ التَّصْرِيَةِ وَالتَّدْلِيسِ الفِعْلِيِّ:
o نُبْذَةٌ عَنْهُ: هُوَ خِيَارٌ يَثْبُتُ حُكْماً لِمَنْ اِشْتَرَى دَابَّةً جُمِعَ لَبَنُهَا فِِي ضَرْعِهَا خَدِيعَةً، وَيُلْحَقُ بِهِ كُلُّ تَدْلِيسٍ فِعْلِيٍّ يُغَيِّرُ ظَاهِرَ السِّلْعَةِ.
o نَازِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ: قِيَامُ تَاجِرِ سَيَّارَاتٍ بِتَعْدِيلِ عَدَّادِ الْمَسَافَاتِ (الْكِيلُومِتْرَاتِ) إِلِكْتْرُونِيًّا لِيُوهِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّ السَّيَّارَةَ لَمْ تُسْتَهْلَكْ، فَيَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الرَّدِّ.
13. خِيَارُ الِاسْتِحْقَاقِ:
o نُبْذَةٌ عَنْهُ: هُوَ أَنْ يَظْهَرَ بَعْدَ تَمَامِ الْبَيْعِ أَنَّ السِّلْعَةَ مَمْلُوكَةٌ لِغَيْرِ الْبَائِعِ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، فَيُرَدُّ الثَّمَنُ لِلْمُشْتَرِي عِنْدَ أَخْذِهَا مِنْهُ.
o نَازِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ: شِرَاءُ هَاتِفٍ مُسْتَعْمَلٍ مِنْ مَحَلٍّ، ثُمَّ صُدُورُ تَقْرِيرٍ أَمْنِيٍّ يَقْضِي بِأَنَّ الْهَاتِفَ مَسْرُوقٌ وَمَطْلُوبٌ لِلْمَالِكِ الْأَصْلِيِّ، فَيُرَدُّ الْهَاتِفُ وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ.
14. خِيَارُ تَغْيِيرِ السِّلْعَةِ:
o نُبْذَةٌ عَنْهُ: يَثْبُتُ إِذَا رَأَى الْمُشْتَرِي السِّلْعَةَ ثُمَّ تَرَاخَى الْقَبْضُ، فَتَغَيَّرَتْ صِفَتُهَا أَوْ طَبِيعَتُهَا إِلَى الْأَسْوَأِ قَبْلَ التَّسَلِّمِ الْفِعْلِيِّ.
o نَازِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ: شِرَاءُ طَنٍّ مِنَ الْخُضَارِ بَعْدَ مُعَايَنَتِهِ طَازَجاً، وَلَكِنْ بِسَبَبِ تَعَطُّلِ شَاحِنَةِ التَّبْرِيدِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَصَلَتِ الشُّحْنَةُ وَقَدْ تَلِفَ بَعْضُهَا.
هَذِهِ الْخِيَارَاتُ فِي أَصْلِهَا الشَّرْعِيِّ مَأْذُونٌ بِهَا، وَمَشْرُوعَةٌ لَا كَرَاهَةَ فِيهَا وَلَا تَحْرِيمَ؛ بَلْ جَاءَتْ رَحْمَةً بِالْعِبَادِ لِتَحْقِيقِ الرِّضَا التَّامِّ وَرَفْعِ الْغَبْنِ وَالضَّرَرِ عَنِ الْمُتَعَاقِدِينَ.
وَلَكِنَّ الْفِقْهَ الْمَالِكِيَّ يَضَعُ لِكُلِّ خِيَارٍ مِنْهَا ضَوَابِطَ صَارِمَةً، إِذَا خَرَجَ الْعَقْدُ عَنْهَا انْقَلَبَ إِلَى الْحُرْمَةِ وَالْفَسَادِ. وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ يَعُودُ إِلَى مَنَاطَيْنِ:
مَنَاطُ خِيَارَاتِ التَّرَوِّي (كَالشَّرْطِ وَالنَّقْدِ): هَذِهِ مَشْرُوطَةٌ بِأَنْ تَكُونَ الْمُدَّةُ مَعْلُومَةً وَيَسِيرَةً طَبْقاً لِمَا يَحْتَمِلُهُ نَوْعُ السِّلْعَةِ (كَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الدَّابَّةِ وَالثَّوْبِ، وَجُمْعَةٍ فِي الرَّقِيقِ، وَشَهْرٍ فِي الدَّارِ). فَإِذَا اِشْتَرَطَا مُدَّةً مَجْهُولَةً أَوْ طَوِيلَةً جِدّاً خَارِجَةً عَنِ الْعُرْفِ، انْقَلَبَ الْخِيَارُ إِلَى حَرَامٍ فَاسِدٍ لِدُخُولِ الْغَرَرِ الْكَبِيرِ فِي الصَّفْقَةِ.
مَنَاطُ خِيَارَاتِ النَّقِيصَةِ (كَالْعَيْبِ وَالْخُلْفِ فِي الصِّفَةِ): هَذِهِ خِيَارَاتٌ حُكْمِيَّةٌ قَهْرِيَّةٌ يَفْرِضُهَا الشَّرْعُ جَبْراً لِلْمَظْلُومِ، فَلَا تَحْرُمُ بِأَصْلِهَا، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ عَلَى الْبَائِعِ تَعَمُّدُ كِتْمَانِ الْعَيْبِ أَوْ التَّدْلِيسِ فِِي الصِّفَةِ، لِأَنَّ التَّدْلِيسَ وَالْغِشَّ حَرَامٌ، أَمَّا ثُبُوتُ حَقِّ الرَّدِّ لِلْمُشْتَرِي فَهُوَ مَشْرُوعٌ وَمَأْذُونٌ فِيهِ تَمَاماً.

بيْعِ الْغَائِبِ بَيْنَ مَنَاطِ الصِّفَةِ وَمَنَاطِ الْحُضُورِ

بيْعِ الْغَائِبِ بَيْنَ مَنَاطِ الصِّفَةِ وَمَنَاطِ الْحُضُورِ (عَلَى الْمُعْتَمَدِ فِي الْمَذْهَبِ)
الْقَاعِدَةُ الْأَسَاسِيَّةُ: الْأَصْلُ فِي الْبُيُوعِ هُوَ رُؤْيَةُ السِّلْعَةِ، وَالِانْتِقَالُ إِلَى "الْوَصْفِ اللَّفْظِيِّ" هُوَ رُخْصَةٌ بَدِيلَةٌ لَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا إِذَا كَانَتِ السِّلْعَةُ غَائِبَةً عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ.
مَتَى يَكُونُ الْبَيْعُ عَلَى الصِّفَةِ (الْجَوَازُ)؟
إِذَا كَانَتِ السِّلْعَةُ خَارِجَ مَجْلِسِ الْعَقْدِ (وَلَوْ كَانَتْ قَرِيبَةً دَاخِلَ الْبَلَدِ، أَوْ عَلَى مَسَافَةِ يَوْمٍ، أَوْ أَكْثَرَ)، فَيَجُوزُ بَيْعُهَا بِالْوَصْفِ لَازِماً (قَاطِعاً) لِأَنَّ خُرُوجَهَا عَنِ الْمَجْلِسِ يَمْنَعُ رُؤْيَتَهَا حَالاً، فَيَقُومُ الْوَصْفُ مَقَامَ الْعِيَانِ.

إِذَا بِيعَتِ السِّلْعَةُ بِشَرْطِ "خِيَارِ الرُّؤْيَةِ لِلْمُشْتَرِي"، فَيَجُوزُ بِالصِّفَةِ (أَوْ حَتَّى بِلَا صِفَةٍ) فِِي أَيِّ مَكَانٍ كَانَتْ، لِأَنَّ الْغَرَرَ يَرْتَفِعُ بِكَوْنِ الْمُشْتَرِي غَيْرَ مَلْزُومٍ بِالصَّفْقَةِ حَتَّى يَرَى السِّلْعَةَ وَيَرْضَى.

مَتَى يَكُونُ الْبَيْعُ عَلَى الْحُضُورِ (الْمَنْعُ مِنَ الصِّفَةِ)؟

إِذَا كَانَتِ السِّلْعَةُ حَاضِرَةً دَاخِلَ مَجْلِسِ الْعَقْدِ وَيُمْكِنُ النَّظَرُ إِلَيْهَا حَالاً بِلَا مَشَقَّةٍ، فَيَمْتَنِعُ الْعَدُولُ إِلَى الْوَصْفِ فِِي عَقْدٍ لَازِمٍ (قَاطِعٍ)، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ حُضُورِهَا وَمُعَايَنَتِهَا بَصَراً (مِثْلُ الثِّيَابِ الْمَطْوِيَّةِ الَّتِي يَجِبُ نَشْرُهَا).

إِذَا كَانَتِ السِّلْعَةُ بَعِيدَةً جِدّاً (كَخُرَاسَانَ مَعَ مَظِنَّةِ التَّغَيُّرِ)، فَيَمْتَنِعُ بَيْعُهَا بِالصِّفَةِ لَازِماً، لِأَنَّ طُولَ مَسَافَةِ الشَّحْنِ مَظِنَّةٌ لِفَسَادِ الصِّفَاتِ، فَيَجِبُ حُضُورُ السِّلْعَةِ أَوْ بَيْعُهَا بِالْخِيَارِ لَا غَيْرُ.

مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ يَدُورُ بَيْنَ الْجَوَازِ رُخْصَةً لِلْحَاجَةِ، وَبَيْنَ الْمَنْعِ حِمَايَةً مِنَ الْغَرَرِ، وَيُمْكِنُ تَلْخِيصُ أَقْوَالِهِمْ فِي النِّقَاطِ التَّالِيَةِ:

 مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ:
 يَجُوزُ بَيْعُ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ بِاللُّزُومِ (عَقْداً قَاطِعاً) بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَأْمُونَ التَّغَيُّرِ، وَأَنْ يَكُونَ خَارِجَ مَجْلِسِ الْعَقْدِ.
 الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ (وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ) أَنَّ مَا كَانَ خَارِجَ مَجْلِسِ الْعَقْدِ وَلَوْ فِي الْبَلَدِ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِالصِّفَةِ، خِلَافاً لِابْنِ الْمَوَّازِ الَّذِي شَرَطَ الْمَشَقَّةَ وَبُعْدَ الْمَسَافَةِ.
 يَجُوزُ بَيْعُ الْغَائِبِ بِلَا وَصْفٍ وَلَا رُؤْيَةٍ سَابِقَةٍ بِشَرْطِ أَنْ يُجْعَلَ لِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الرُّؤْيَةِ، فَيَكُونُ الْعَقْدُ مُنْحَلّاً مِنْ جِهَتِهِ حَتَّى يُعَايِنَ السِّلْعَةَ.
 يَمْتَنِعُ بَيْعُ الْغَائِبِ بِالصِّفَةِ لَازِماً إِذَا كَانَ بَعِيداً جِدّاً (كَخُرَاسَانَ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ) لِأَنَّ الْمَسَافَةَ مَظِنَّةٌ لِتَبَدُّلِ الصِّفَاتِ وَطُرُوءِ الْفَسَادِ.


 مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ:
 يَجُوزُ عِنْدَهُمْ بَيْعُ الْغَائِبِ الَّذِي لَمْ يَرَهُ الْمُشْتَرِي، سَوَاءٌ أُطْلِقَ الْعَقْدُ أَوْ وُصِفَ.
 يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي حُكْماً (خِيَارُ الرُّؤْيَةِ) عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْمَبِيعِ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ يَرُدَّهُ، لِأَنَّ الْعِلْمَ التَّامَّ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِالنَّظَرِ.


 مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ:
 الْقَوْلُ الْجَدِيدُ وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَهُمْ هُوَ مَنْعُ بَيْعِ الْغَائِبِ الَّذِي لَمْ يَرَهُ الْعَاقِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا مُطْلَقاً، وَلَوْ وُصِفَ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ، وَالْغَيْبَةُ غَرَرٌ فِيهِمَا.
 الْقَوْلُ الْقَدِيمُ عِنْدَهُمْ يُجِيزُ بَيْعَ الْغَائِبِ بِالْوَصْفِ وَيَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ كَمَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ.


 مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ:
 يَجُوزُ بَيْعُ الْغَائِبِ إِذَا ضُبِطَ بِالصِّفَةِ الَّتِي تَقُومُ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ، أَوْ إِذَا جَرَتْ رُؤْيَتُهُ مُتَقَدِّمَةً فِِي زَمَنٍ لَا يَتَغَيَّرُ فِيهِ غَالِباً.
 إِذَا خَالَفَتِ السِّلْعَةُ الصِّفَةَ الْمَشْرُوطَةَ عِنْدَ الْقَبْضِ، فَلِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الْفَسْخِ لِتَخَلُّفِ الْوَصْفِ.
 يَمْتَنِعُ عِنْدَهُمْ بَيْعُ الْغَائِبِ إِذَا لَمْ يُوصَفْ وَلَمْ تَتَقَدَّمْ لَهُ رُؤْيَةٌ، لِعِظَمِ الْجَهَالَةِ.

قضاء الفوائت عند المالكية

قضاء الفوائت عند المالكية

قضاء الفوائت عند المالكية


 وَجَبَ قَضَاءُ فَائِتَةٍ مُطْلَقاً [1]. وَمَعَ ذِكْرٍ تَرْتِيبُ حَاضِرَتَيْنِ شَرْطاً [2] . والْفَوَائِتُ فِي أَنْفُسِهَا ويَسِيرِهَا مَعَ حَاضِرَةٍ وإِنْ خَرَجَ وقْتُهَا [3] ، وهَلْ أَرْبَعٌ أَوْ خَمْسٌ؟ خِلافٌ [4]


[1]  إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ وُجُوبِ اسْتِدْرَاكِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ الَّتِي خَرَجَ وَقْتُهَا

١. أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ وَجَبَ قَضَاءُ فَائِتَةٍ مُطْلَقاً؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ إِذَا فَاتَتِ الْمُكَلَّفَ لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا فَوْراً، وَشَمَلَ لَفْظُ مُطْلَقاً جَمِيعَ الْأَحْوَالِ سَوَاءٌ كَانَ الْفَوَاتُ بِعُذْرٍ كَنَوْمٍ وَنِسْيَانٍ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ كَالْعَمْدِ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الصَّلَاةُ مِنْ قَلِيلِ الْفَوَائِتِ أَوْ كَثِيرِهَا، لِأَنَّ حَقَّ الشَّارِعِ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ لَا يَرْتَفِعُ إِلَّا بِالْأَدَاءِ.

٢. الدَّلِيلُ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: قَالَ تَعَالَى: أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي.

· وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ عِنْدَ تَذَكُّرِهَا، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا ثُمَّ ذَكَرَهَا فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الِامْتِثَالُ فَوْرَ الذِّكْرِ لِيُحَقِّقَ مَقْصُودَ الْعِبَادَةِ.

٣. الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ.

· وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: التَّصْرِيحُ النَّبَوِيُّ بِأَنَّ مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ لَا عِوَضَ لَهُ عَنْهَا وَلَا بَرَاءَةَ لِذِمَّتِهِ إِلَّا بِفِعْلِهَا، وَقَدْ رَتَّبَ الْفِعْلَ عَلَى حَالِ الذِّكْرِ، مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ خُرُوجَ الْوَقْتِ لَيْسَ مُسْقِطاً لِلْفَرِيضَةِ بَلْ هُوَ مُوجِبٌ لِلْقَضَاءِ.

٤. الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ :-

١. قَاعِدَةُ: مَا ثَبَتَ بِالْيَقِينِ لَا يَرْتَفِعُ إِلَّا بِالْيَقِينِ؛ فَلَمَّا كَانَ وُجُوبُ الصَّلَاةِ فِي ذِمَّةِ الْمُكَلَّفِ يَقِيناً بِدُخُولِ وَقْتِهَا، فَلَا يَبْرَأُ مِنْ هَذَا الْوُجُوبِ بِيَقِينٍ إِلَّا بَعْدَ فِعْلِهَا، وَخُرُوجُ الْوَقْتِ لَيْسَ رَافِعاً لِلْوُجُوبِ الثَّابِتِ.

٢. قَاعِدَةُ: الذِّمَّةُ إِذَا عُمِرَتْ بِفِعْلٍ لَا تَبْرَأُ إِلَّا بِأَدَائِهِ؛ فَكُلُّ صَلَاةٍ خَاطَبَ الشَّارِعُ بِهَا الْعَبْدَ صَارَتْ دَيْناً عَلَيْهِ، وَالدَّيْنُ لَا يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ التَّأْخِيرِ، فَلَزِمَ الْإِتْيَانُ بِهِ بَرَاءَةً لِلْعُهْدَةِ.

٥. الدَّلِيلُ مِنَ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ :-

١. قِيَاسُ الْمُسَاوِي: نَقِيسُ دَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى دَيْنِ الْآدَمِيِّينَ؛ بِجَامِعِ أَنَّ كِلَيْهِمَا حَقٌّ وَاجِبٌ ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ، فَكَمَا أَنَّ دَيْنَ الْبَشَرِ لَا يَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ وَيَجِبُ وَفَاؤُهُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ، فَإِنَّ حَقَّ الْخَالِقِ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِالْقَضَاءِ تَعْظِيماً لَهُ.

٢. قِيَاسُ الْعِلَّةِ: لِعِلَّةِ التَّعَبُّدِ بِأَصْلِ الصَّلَاةِ لَا بِزَمَانِهَا فَقَطْ؛ نَقِيسُ الْفَائِتَةَ عَمْداً عَلَى الْفَائِتَةِ نِسْيَاناً؛ فَمَا دَامَ الشَّارِعُ قَدْ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ عَلَى الْمَعْذُورِ، فَوُجُوبُهُ عَلَى الْمُفَرِّطِ آكَدُ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْعُقُوبَةِ وَالزَّجْرِ وَالْمُطَالَبَةِ بِتَبِعَةِ فِعْلِهِ.

[2]  إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ وُجُوبِ تَرْتِيبِ الصَّلَوَاتِ الْحَاضِرَةِ عِنْدَ الذِّكْرِ

١. أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ وَمَعَ ذِكْرٍ تَرْتِيبُ حَاضِرَتَيْنِ شَرْطاً؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ تَرْتِيبَ الصَّلَاتَيْنِ الْحَاضِرَتَيْنِ الْمُشْتَرِكَتَيْنِ فِي الْوَقْتِ كَالظُّهْرِ مَعَ الْعَصْرِ أَوِ الْمَغْرِبِ مَعَ الْعِشَاءِ يُعَدُّ شَرْطاً فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ، فَإِذَا صَلَّى الْعَصْرَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ بَطَلَتِ الْعَصْرُ لِفَقْدِ شَرْطِ التَّرْتِيبِ الْوَاجِبِ حَالَ الذِّكْرِ، لِأَنَّ الشَّارِعَ رَتَّبَ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ تَرْتِيباً زَمَانِيّاً يَلْزَمُ مُرَاعَاتُهُ.

٢. الدَّلِيلُ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا.

· وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَقْتاً مَحْدُوداً وَمَرْتَبَةً زَمَانِيَّةً مُعَيَّنَةً، وَالتَّوْقِيتُ يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْمَوَاقِيتِ، فَمَنْ قَدَّمَ صَلَاةً عَلَى صَلَاةٍ مَعَ إِمْكَانِ التَّرْتِيبِ فَقَدْ أَخْرَجَ الصَّلَاةَ عَنْ وَضْعِهَا الشَّرْعِيِّ الَّذِي رَسَمَهُ الْقُرْآنُ.

٣. الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا، فَقَامَ إِلَى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ.

· وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَقْدِيمِ الْعَصْرِ الْفَائِتَةِ عَلَى الْمَغْرِبِ الْحَاضِرَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ مَقْصُودٌ شَرْعاً، وَمُوَاظَبَتُهُ عَلَى ذَلِكَ تَرْفَعُ التَّرْتِيبَ مِنْ مَرْتَبَةِ النَّدْبِ إِلَى مَرْتَبَةِ الشَّرْطِيَّةِ عِنْدَ الذِّكْرِ وَالِاسْتِطَاعَةِ.

٤. الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ :-

١. قَاعِدَةُ: الْأَصْلُ فِي الْعِبَادَاتِ التَّوْقِيفُ؛ فَلَمَّا كَانَتِ الصَّلَوَاتُ مَوْقُوفَةً عَلَى صِفَةِ التَّرْتِيبِ كَمَا نُقِلَتْ عَنِ الشَّارِعِ، صَارَ التَّرْتِيبُ جُزْءاً مِنْ مَاهِيَّةِ الْأَدَاءِ الصَّحِيحِ، فَمَنْ خَالَفَ هَذَا الْأَصْلَ مَعَ الْعِلْمِ بَطَلَ عَمَلُهُ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْهَيْئَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا.

٢. قَاعِدَةُ: التَّابِعُ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَتْبُوعِ؛ فَالْعَصْرُ تَابِعَةٌ لِلظُّهْرِ فِي التَّرْتِيبِ الْيَوْمِيِّ، وَالْعِشَاءُ تَابِعَةٌ لِلْمَغْرِبِ، فَتَقْدِيمُ التَّابِعِ عَلَى مَتْبُوعِهِ مَعَ ذِكْرِ السَّبَقِ يُفْسِدُ نِظَامَ الْعِبَادَةِ، مِمَّا يُوجِبُ بُطْلَانَ الْمُقَدَّمِ تَقْدِيماً لِحَقِّ التَّرْتِيبِ الشَّرْعِيِّ.

٥. الدَّلِيلُ مِنَ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ :-

١. قِيَاسُ الْمُسَاوِي: نَقِيسُ تَرْتِيبَ الصَّلَوَاتِ فِيمَا بَيْنَهَا عَلَى تَرْتِيبِ الرَّكَعَاتِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ؛ فَكَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ السُّجُودِ عَلَى الرُّكُوعِ عَمْداً وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِذَلِكَ، فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عِلَّةِ النَّظْمِ التَّعَبُّدِيِّ الَّذِي وَضَعَهُ الشَّارِعُ.

٢. قِيَاسُ الْعِلَّةِ: لِعِلَّةِ التَّسَلْسُلِ الزَّمَانِيِّ لِلْعِبَادَةِ؛ نَقِيسُ تَرْتِيبَ الْحَاضِرَتَيْنِ عَلَى تَرْتِيبِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ شَرْطاً؛ فَكَمَا أَنَّ الْبَدْءَ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ وَاجِبٌ فِي الطَّهَارَةِ لِصِحَّتِهَا، فَكَذَلِكَ الْبَدْءُ بِمَا رَتَّبَهُ الشَّارِعُ مِنَ الصَّلَوَاتِ شَرْطٌ لِصِحَّتِهَا بَعْدَ الْقِيَامِ مِنَ النَّوْمِ أَوِ الْغَفْلَةِ.

[3]   إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ وُجُوبِ تَرْتِيبِ الْفَوَائِتِ فِي نَفْسِهَا وَمَعَ الْحَاضِرَةِ الْيَسِيرَةِ

١. أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ وَالْفَوَائِتُ فِي أَنْفُسِهَا ويَسِيرِهَا مَعَ حَاضِرَةٍ وإِنْ خَرَجَ وقْتُهَا؛ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ تَرْتِيبُ الصَّلَوَاتِ الْفَوَائِتِ بِحَسَبِ سَبْقِهَا فِي الزَّمَانِ، فَيُقَدِّمُ الْأَقْدَمَ فَالْأَقْدَمَ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ الْيَسِيرِ مِنَ الْفَوَائِتِ (وَهُوَ خَمْسُ صَلَوَاتٍ فَأَقَلُّ) عَلَى الصَّلَاةِ الْحَاضِرَةِ، وَلَوْ أَدَّى هَذَا التَّقْدِيمُ إِلَى خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْحَاضِرَةِ الِاخْتِيَارِيِّ وَالضَّرُورِيِّ، تَقْدِيماً لِحَقِّ السَّبْقِ فِي الذِّمَّةِ.

٢. الدَّلِيلُ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: قَالَ تَعَالَى: "أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ."

· وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَتَّبَ الصَّلَوَاتِ فِي الذِّكْرِ تَبَعاً لِتَرْتِيبِهَا فِي الزَّمَانِ، وَالْأَمْرُ بِالْإِقَامَةِ وِفْقَ هَذَا التَّرْتِيبِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى هَذَا النَّظْمِ سَوَاءٌ كَانَتِ الصَّلَوَاتُ أَدَاءً أَوْ قَضَاءً، فَالْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ حَيْثُ التَّرْتِيبُ.

٣. الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ الْعَصْرَ ثُمَّ الْمَغْرِبَ ثُمَّ الْعِشَاءَ بَعْدَمَا غَابَ الشَّفَقُ.

· وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَضَاءِ هَذِهِ الْفَوَائِتِ مُرَتَّبَةً كَمَا وَجَبَتْ أَوَّلاً دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فِي أَنْفُسِهَا، وَتَقْدِيمُهُ لَهَا عَلَى الْعِشَاءِ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ أَصْلٌ فِي تَقْدِيمِ الْيَسِيرِ مِنَ الْفَوَائِتِ عَلَى الْحَاضِرَةِ وَلَوْ خَرَجَ وَقْتُهَا.

٤. الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ :-

١. قَاعِدَةُ: التَّابِعُ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَتْبُوعِ؛ فَالصَّلَاةُ اللَّاحِقَةُ تَبَعٌ لِلسَّابِقَةِ فِي شَرْعِيَّةِ التَّرْتِيبِ، فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ التَّابِعِ زَمَاناً عَلَى مَتْبُوعِهِ لِأَنَّ هَذَا النَّظْمَ مَقْصُودٌ لِلشَّارِعِ لِتَمْيِيزِ الْأَوْقَاتِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ.

٢. قَاعِدَةُ: الْقَلِيلُ يُلْحَقُ بِالْعَدَمِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ وَيُغْتَفَرُ فِيهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْكَثِيرِ؛ فَلَمَّا كَانَتِ الْفَوَائِتُ يَسِيرَةً (خَمْساً) أُلْزِمَ الْمُصَلِّي بِتَقْدِيمِهَا لِأَنَّ مَشَقَّتَهَا مُحْتَمَلَةٌ، بِخِلَافِ الْكَثِيرِ الَّذِي يُخْشَى مَعَهُ فَوَاتُ الْحَاضِرَةِ بِلَا جَدْوَى.

٥. الدَّلِيلُ مِنَ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ :-

١. قِيَاسُ الْعِلَّةِ: لِعِلَّةِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ بِحَسَبِ سَبْقِ الِانْشِغَالِ؛ نَقِيسُ قَضَاءَ الصَّلَوَاتِ الْمُرَتَّبَةِ عَلَى قَضَاءِ الدُّيُونِ الْمَالِيَّةِ، فَكَمَا أَنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ الْأَسْبَقِ أَوْلَى بِالْوَفَاءِ عِنْدَ التَّزَاحُمِ، فَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ الْأَسْبَقُ وُجُوباً هِيَ أَوْلَى بِتَقْدِيمِ الْفِعْلِ.

٢. قِيَاسُ الشَّبَهِ: نَقِيسُ تَرْتِيبَ الْفَوَائِتِ فِي أَنْفُسِهَا عَلَى تَرْتِيبِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ؛ بِجَامِعِ أَنَّ كِلَيْهِمَا عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ مُؤَلَّفَةٌ مِنْ أَجْزَاءٍ تَعَبُّدِيَّةٍ، فَكَمَا لَا يَصِحُّ تَقْدِيمُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ عَلَى الْوَجْهِ، فَكَذَلِكَ لَا يُقَدَّمُ الْعَصْرُ عَلَى الظُّهْرِ حِفْظاً لِهَيْئَةِ الْعِبَادَةِ كَمَا وَرَدَتْ.

[4]  إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ ضَابِطِ الْيَسِيرِ مِنَ الْفَوَائِتِ هَلْ هُوَ أَرْبَعٌ أَوْ خَمْسٌ

١. أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ وهَلْ أَرْبَعٌ أَوْ خَمْسٌ؟ خِلاف؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِ الْعَدَدِ الَّذِي يَنْحَصِرُ بِهِ وَصْفُ الْيَسِيرِ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَةِ الَّتِي يَجِبُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْحَاضِرَةِ وَلَوْ خَرَجَ وَقْتُهَا؛ فَقِيلَ إِنَّ حَدَّ الْيَسِيرِ أَرْبَعُ صَلَوَاتٍ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا فَهُوَ كَثِيرٌ يَسْقُطُ مَعَهُ وُجُوبُ التَّرْتِيبِ عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِ الْحَاضِرَةِ؛ وَقِيلَ بَلِ الْيَسِيرُ خَمْسُ صَلَوَاتٍ لِأَنَّهَا تُمَثِّلُ صَلَوَاتِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ كَامِلَةٍ، وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ هُوَ اعْتِبَارُ الْخَمْسِ يَسِيراً.

٢. الدَّلِيلُ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: قَالَ تَعَالَى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا.

· وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ التَّكْلِيفَ بِقَضَاءِ الْفَوَائِتِ مَعَ تَقْدِيمِهَا عَلَى الْحَاضِرَةِ مَنُوطٌ بِالْقُدْرَةِ وَعَدَمِ دُخُولِ الْمَشَقَّةِ الْعَظِيمَةِ؛ فَمَنِ اعْتَبَرَ الْخَمْسَ يَسِيراً رَأَى أَنَّ قَضَاءَ يَوْمٍ كَامِلٍ لَا يَخْرُجُ عَنِ الْوُسْعِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي يُتَحَمَّلُ فِيهِ تَأْخِيرُ الْحَاضِرَةِ؛ بَيْنَمَا رَأَى مَنِ اعْتَبَرَ الْأَرْبَعَ أَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهَا يَدْخُلُ فِي حَيِّزِ الْكَثِيرِ الَّذِي يَجْلِبُ الْحَرَجَ.

٣. الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ فَائِتَةٍ هِيَ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ مُرَتَّبَةً.

· وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: فِعْلُهُ ﷺ فِي تَرْتِيبِ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْأَرْبَعِ هُوَ الْقَدْرُ الْمُتَيَقَّنُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الِانْشِغَالُ بِالْقَضَاءِ قَبْلَ الِانْتِقَالِ لِغَيْرِهَا؛ فَمَنْ قَالَ بِالْأَرْبَعِ وَقَفَ عِنْدَ هَذَا النَّصِّ الْفِعْلِيِّ؛ وَمَنْ قَالَ بِالخَمْسِ أَلْحَقَ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِهَا طَرْداً لِلْبَابِ لِتَكْمُلَ صَلَوَاتُ الْيَوْمِ التَّامِّ.

٤. الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ :-

١. قَاعِدَةُ: مَا قَارَبَ الشَّيْءَ يُعْطَى حُكْمَهُ؛ فَلَمَّا كَانَتِ الْخَمْسُ صَلَوَاتٍ تُقَارِبُ الْأَرْبَعَ فِي خِفَّةِ الْقَضَاءِ وَقِلَّةِ الزَّمَانِ، أُعْطِيَتْ حُكْمَ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ التَّرْتِيبِ تَقْدِيماً لِحَقِّ السَّبْقِ.

٢. قَاعِدَةُ: الْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ؛ فَالْأَرْبَعُ صَلَوَاتٍ يَقِينٌ فِي كَوْنِهَا يَسِيراً لِوُرُودِ الْفِعْلِ النَّبَوِيِّ بِهَا، وَالْخَامِسَةُ مَحَلُّ شَكٍّ؛ فَمَنِ احْتَاطَ لِلْعِبَادَةِ أَلْحَقَ الْخَامِسَةَ لِيَسْتَبْرِئَ لِذِمَّتِهِ بِيَقِينِ الْوَفَاءِ لِصَلَوَاتِ يَوْمٍ كَامِلٍ.

٥. الدَّلِيلُ مِنَ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ :-

١. قِيَاسُ الْعِلَّةِ: لِعِلَّةِ الِاسْتِيعَابِ لِلْوِحْدَةِ الزَّمَانِيَّةِ الصُّغْرَى؛ نَقِيسُ عَدَدَ الْيَسِيرِ عَلَى عَدَدِ فَرَائِضِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؛ فَكَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ تَدُورُ مَعَ الْيَوْمِ، فَإِنَّ تَعْرِيفَ الْيَسِيرِ يَجِبُ أَنْ يَسْتَوْعِبَ هَذَا الْيَوْمَ (خَمْسُ صَلَوَاتٍ) لِيَكُونَ التَّقْدِيمُ شَامِلاً لِكُلِّ مَا وَجَبَ فِيهِ.

٢. قِيَاسُ الشَّبَهِ: نَقِيسُ الْخَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْقَضَاءِ عَلَى مَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ خَمْسٍ لَا يَدْرِي أَيَّتُهُنَّ هِيَ؛ فَكَمَا أَنَّهُ يَأْتِي بِالْخَمْسِ لِيَحْصُلَ لَهُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، فَكَذَلِكَ جُعِلَتِ الْخَمْسُ حَدَّ الْيَسِيرِ لِيَحْصُلَ بِهَا بَرَاءَةُ التَّرْتِيبِ لِمَا فَاتَ فِيهِ.

👁️ الـمشاهدون: 2553

المذهب حمابة للفرد من سلطان الهوى

 من فوائد التمذهب المنضبط أنه يحمي المكلَّف من أن يجعل هواه حاكمًا على الشرع؛ إذ يلزمه بأصول وقواعد وضوابط تمنعه -في الجملة- من انتقاء الأقوال لمجرد موافقتها لرغبته. وهذا داخل في المعنى العام لتحذير الله تعالى من اتباع الهوى، قال سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: 23]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: 26]. فالمتمذهب يجعل المرجع في اختياره أصولًا علمية منضبطة، لا مجرد ما تميل إليه نفسه، بخلاف من يتنقل بين الأقوال طلبًا للأسهل والأوفق لهواه، فإن هذا يُخشى أن يكون قد جعل هواه قائدًا لا تابعًا للدليل.

التمذهب تربية للنفس على الانقياد للدليل عبر منهج علمي منضبط، لا على جعل الأحكام تابعة للأهواء. فمن أخطر ما يفسد الفتوى والعمل أن يتحول البحث عن حكم الله إلى البحث عما يوافق رغبة النفس، وقد ذم الله هذا المسلك بقوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾، فالهوى إذا صار هو الموجِّه لا الدليل، اختل ميزان الاستقامة. والتمذهب الصحيح من أهم الوسائل التي تحد من هذا الانفلات، لأنه يلزم صاحبه بمنهج في الاستدلال والترجيح، فلا يكون اختياره محكومًا بمجرد ميل النفس.

سندي إلى الشيخ خليل ومنه للإمام مالك

قضاء الفوائت عند المالكية

 وَجَبَ قَضَاءُ فَائِتَةٍ مُطْلَقاً [1]. وَمَعَ ذِكْرٍ تَرْتِيبُ حَاضِرَتَيْنِ شَرْطاً [2] . والْفَوَائِتُ فِي أَنْفُسِهَا ويَسِيرِهَا مَعَ حَاضِرَةٍ وإِنْ خَرَجَ وقْتُهَا [3] ، وهَلْ أَرْبَعٌ أَوْ خَمْسٌ؟ خِلافٌ [4]


[1]  إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ وُجُوبِ اسْتِدْرَاكِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ الَّتِي خَرَجَ وَقْتُهَا

١. أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ وَجَبَ قَضَاءُ فَائِتَةٍ مُطْلَقاً؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ إِذَا فَاتَتِ الْمُكَلَّفَ لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا فَوْراً، وَشَمَلَ لَفْظُ مُطْلَقاً جَمِيعَ الْأَحْوَالِ سَوَاءٌ كَانَ الْفَوَاتُ بِعُذْرٍ كَنَوْمٍ وَنِسْيَانٍ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ كَالْعَمْدِ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الصَّلَاةُ مِنْ قَلِيلِ الْفَوَائِتِ أَوْ كَثِيرِهَا، لِأَنَّ حَقَّ الشَّارِعِ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ لَا يَرْتَفِعُ إِلَّا بِالْأَدَاءِ.

٢. الدَّلِيلُ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: قَالَ تَعَالَى: أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي.

· وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ عِنْدَ تَذَكُّرِهَا، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا ثُمَّ ذَكَرَهَا فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الِامْتِثَالُ فَوْرَ الذِّكْرِ لِيُحَقِّقَ مَقْصُودَ الْعِبَادَةِ.

٣. الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ × قَالَ: مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ.

· وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: التَّصْرِيحُ النَّبَوِيُّ بِأَنَّ مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ لَا عِوَضَ لَهُ عَنْهَا وَلَا بَرَاءَةَ لِذِمَّتِهِ إِلَّا بِفِعْلِهَا، وَقَدْ رَتَّبَ الْفِعْلَ عَلَى حَالِ الذِّكْرِ، مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ خُرُوجَ الْوَقْتِ لَيْسَ مُسْقِطاً لِلْفَرِيضَةِ بَلْ هُوَ مُوجِبٌ لِلْقَضَاءِ.

٤. الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ :-

١. قَاعِدَةُ: مَا ثَبَتَ بِالْيَقِينِ لَا يَرْتَفِعُ إِلَّا بِالْيَقِينِ؛ فَلَمَّا كَانَ وُجُوبُ الصَّلَاةِ فِي ذِمَّةِ الْمُكَلَّفِ يَقِيناً بِدُخُولِ وَقْتِهَا، فَلَا يَبْرَأُ مِنْ هَذَا الْوُجُوبِ بِيَقِينٍ إِلَّا بَعْدَ فِعْلِهَا، وَخُرُوجُ الْوَقْتِ لَيْسَ رَافِعاً لِلْوُجُوبِ الثَّابِتِ.

٢. قَاعِدَةُ: الذِّمَّةُ إِذَا عُمِرَتْ بِفِعْلٍ لَا تَبْرَأُ إِلَّا بِأَدَائِهِ؛ فَكُلُّ صَلَاةٍ خَاطَبَ الشَّارِعُ بِهَا الْعَبْدَ صَارَتْ دَيْناً عَلَيْهِ، وَالدَّيْنُ لَا يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ التَّأْخِيرِ، فَلَزِمَ الْإِتْيَانُ بِهِ بَرَاءَةً لِلْعُهْدَةِ.

٥. الدَّلِيلُ مِنَ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ :-

١. قِيَاسُ الْمُسَاوِي: نَقِيسُ دَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى دَيْنِ الْآدَمِيِّينَ؛ بِجَامِعِ أَنَّ كِلَيْهِمَا حَقٌّ وَاجِبٌ ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ، فَكَمَا أَنَّ دَيْنَ الْبَشَرِ لَا يَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ وَيَجِبُ وَفَاؤُهُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ، فَإِنَّ حَقَّ الْخَالِقِ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِالْقَضَاءِ تَعْظِيماً لَهُ.

٢. قِيَاسُ الْعِلَّةِ: لِعِلَّةِ التَّعَبُّدِ بِأَصْلِ الصَّلَاةِ لَا بِزَمَانِهَا فَقَطْ؛ نَقِيسُ الْفَائِتَةَ عَمْداً عَلَى الْفَائِتَةِ نِسْيَاناً؛ فَمَا دَامَ الشَّارِعُ قَدْ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ عَلَى الْمَعْذُورِ، فَوُجُوبُهُ عَلَى الْمُفَرِّطِ آكَدُ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْعُقُوبَةِ وَالزَّجْرِ وَالْمُطَالَبَةِ بِتَبِعَةِ فِعْلِهِ.

[2]  إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ وُجُوبِ تَرْتِيبِ الصَّلَوَاتِ الْحَاضِرَةِ عِنْدَ الذِّكْرِ

١. أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ وَمَعَ ذِكْرٍ تَرْتِيبُ حَاضِرَتَيْنِ شَرْطاً؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ تَرْتِيبَ الصَّلَاتَيْنِ الْحَاضِرَتَيْنِ الْمُشْتَرِكَتَيْنِ فِي الْوَقْتِ كَالظُّهْرِ مَعَ الْعَصْرِ أَوِ الْمَغْرِبِ مَعَ الْعِشَاءِ يُعَدُّ شَرْطاً فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ، فَإِذَا صَلَّى الْعَصْرَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ بَطَلَتِ الْعَصْرُ لِفَقْدِ شَرْطِ التَّرْتِيبِ الْوَاجِبِ حَالَ الذِّكْرِ، لِأَنَّ الشَّارِعَ رَتَّبَ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ تَرْتِيباً زَمَانِيّاً يَلْزَمُ مُرَاعَاتُهُ.

٢. الدَّلِيلُ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا.

· وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَقْتاً مَحْدُوداً وَمَرْتَبَةً زَمَانِيَّةً مُعَيَّنَةً، وَالتَّوْقِيتُ يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْمَوَاقِيتِ، فَمَنْ قَدَّمَ صَلَاةً عَلَى صَلَاةٍ مَعَ إِمْكَانِ التَّرْتِيبِ فَقَدْ أَخْرَجَ الصَّلَاةَ عَنْ وَضْعِهَا الشَّرْعِيِّ الَّذِي رَسَمَهُ الْقُرْآنُ.

٣. الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا، فَقَامَ إِلَى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ.

· وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَقْدِيمِ الْعَصْرِ الْفَائِتَةِ عَلَى الْمَغْرِبِ الْحَاضِرَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ مَقْصُودٌ شَرْعاً، وَمُوَاظَبَتُهُ عَلَى ذَلِكَ تَرْفَعُ التَّرْتِيبَ مِنْ مَرْتَبَةِ النَّدْبِ إِلَى مَرْتَبَةِ الشَّرْطِيَّةِ عِنْدَ الذِّكْرِ وَالِاسْتِطَاعَةِ.

٤. الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ :-

١. قَاعِدَةُ: الْأَصْلُ فِي الْعِبَادَاتِ التَّوْقِيفُ؛ فَلَمَّا كَانَتِ الصَّلَوَاتُ مَوْقُوفَةً عَلَى صِفَةِ التَّرْتِيبِ كَمَا نُقِلَتْ عَنِ الشَّارِعِ، صَارَ التَّرْتِيبُ جُزْءاً مِنْ مَاهِيَّةِ الْأَدَاءِ الصَّحِيحِ، فَمَنْ خَالَفَ هَذَا الْأَصْلَ مَعَ الْعِلْمِ بَطَلَ عَمَلُهُ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْهَيْئَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا.

٢. قَاعِدَةُ: التَّابِعُ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَتْبُوعِ؛ فَالْعَصْرُ تَابِعَةٌ لِلظُّهْرِ فِي التَّرْتِيبِ الْيَوْمِيِّ، وَالْعِشَاءُ تَابِعَةٌ لِلْمَغْرِبِ، فَتَقْدِيمُ التَّابِعِ عَلَى مَتْبُوعِهِ مَعَ ذِكْرِ السَّبَقِ يُفْسِدُ نِظَامَ الْعِبَادَةِ، مِمَّا يُوجِبُ بُطْلَانَ الْمُقَدَّمِ تَقْدِيماً لِحَقِّ التَّرْتِيبِ الشَّرْعِيِّ.

٥. الدَّلِيلُ مِنَ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ :-

١. قِيَاسُ الْمُسَاوِي: نَقِيسُ تَرْتِيبَ الصَّلَوَاتِ فِيمَا بَيْنَهَا عَلَى تَرْتِيبِ الرَّكَعَاتِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ؛ فَكَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ السُّجُودِ عَلَى الرُّكُوعِ عَمْداً وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِذَلِكَ، فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عِلَّةِ النَّظْمِ التَّعَبُّدِيِّ الَّذِي وَضَعَهُ الشَّارِعُ.

٢. قِيَاسُ الْعِلَّةِ: لِعِلَّةِ التَّسَلْسُلِ الزَّمَانِيِّ لِلْعِبَادَةِ؛ نَقِيسُ تَرْتِيبَ الْحَاضِرَتَيْنِ عَلَى تَرْتِيبِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ شَرْطاً؛ فَكَمَا أَنَّ الْبَدْءَ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ وَاجِبٌ فِي الطَّهَارَةِ لِصِحَّتِهَا، فَكَذَلِكَ الْبَدْءُ بِمَا رَتَّبَهُ الشَّارِعُ مِنَ الصَّلَوَاتِ شَرْطٌ لِصِحَّتِهَا بَعْدَ الْقِيَامِ مِنَ النَّوْمِ أَوِ الْغَفْلَةِ.

[3]   إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ وُجُوبِ تَرْتِيبِ الْفَوَائِتِ فِي نَفْسِهَا وَمَعَ الْحَاضِرَةِ الْيَسِيرَةِ

١. أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ وَالْفَوَائِتُ فِي أَنْفُسِهَا ويَسِيرِهَا مَعَ حَاضِرَةٍ وإِنْ خَرَجَ وقْتُهَا؛ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ تَرْتِيبُ الصَّلَوَاتِ الْفَوَائِتِ بِحَسَبِ سَبْقِهَا فِي الزَّمَانِ، فَيُقَدِّمُ الْأَقْدَمَ فَالْأَقْدَمَ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ الْيَسِيرِ مِنَ الْفَوَائِتِ (وَهُوَ خَمْسُ صَلَوَاتٍ فَأَقَلُّ) عَلَى الصَّلَاةِ الْحَاضِرَةِ، وَلَوْ أَدَّى هَذَا التَّقْدِيمُ إِلَى خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْحَاضِرَةِ الِاخْتِيَارِيِّ وَالضَّرُورِيِّ، تَقْدِيماً لِحَقِّ السَّبْقِ فِي الذِّمَّةِ.

٢. الدَّلِيلُ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: قَالَ تَعَالَى: "أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ."

· وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَتَّبَ الصَّلَوَاتِ فِي الذِّكْرِ تَبَعاً لِتَرْتِيبِهَا فِي الزَّمَانِ، وَالْأَمْرُ بِالْإِقَامَةِ وِفْقَ هَذَا التَّرْتِيبِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى هَذَا النَّظْمِ سَوَاءٌ كَانَتِ الصَّلَوَاتُ أَدَاءً أَوْ قَضَاءً، فَالْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ حَيْثُ التَّرْتِيبُ.

٣. الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ × يَوْمَ الْخَنْدَقِ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ الْعَصْرَ ثُمَّ الْمَغْرِبَ ثُمَّ الْعِشَاءَ بَعْدَمَا غَابَ الشَّفَقُ.

· وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: فِعْلُ النَّبِيِّ × فِي قَضَاءِ هَذِهِ الْفَوَائِتِ مُرَتَّبَةً كَمَا وَجَبَتْ أَوَّلاً دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فِي أَنْفُسِهَا، وَتَقْدِيمُهُ لَهَا عَلَى الْعِشَاءِ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ أَصْلٌ فِي تَقْدِيمِ الْيَسِيرِ مِنَ الْفَوَائِتِ عَلَى الْحَاضِرَةِ وَلَوْ خَرَجَ وَقْتُهَا.

٤. الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ :-

١. قَاعِدَةُ: التَّابِعُ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَتْبُوعِ؛ فَالصَّلَاةُ اللَّاحِقَةُ تَبَعٌ لِلسَّابِقَةِ فِي شَرْعِيَّةِ التَّرْتِيبِ، فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ التَّابِعِ زَمَاناً عَلَى مَتْبُوعِهِ لِأَنَّ هَذَا النَّظْمَ مَقْصُودٌ لِلشَّارِعِ لِتَمْيِيزِ الْأَوْقَاتِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ.

٢. قَاعِدَةُ: الْقَلِيلُ يُلْحَقُ بِالْعَدَمِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ وَيُغْتَفَرُ فِيهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْكَثِيرِ؛ فَلَمَّا كَانَتِ الْفَوَائِتُ يَسِيرَةً (خَمْساً) أُلْزِمَ الْمُصَلِّي بِتَقْدِيمِهَا لِأَنَّ مَشَقَّتَهَا مُحْتَمَلَةٌ، بِخِلَافِ الْكَثِيرِ الَّذِي يُخْشَى مَعَهُ فَوَاتُ الْحَاضِرَةِ بِلَا جَدْوَى.

٥. الدَّلِيلُ مِنَ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ :-

١. قِيَاسُ الْعِلَّةِ: لِعِلَّةِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ بِحَسَبِ سَبْقِ الِانْشِغَالِ؛ نَقِيسُ قَضَاءَ الصَّلَوَاتِ الْمُرَتَّبَةِ عَلَى قَضَاءِ الدُّيُونِ الْمَالِيَّةِ، فَكَمَا أَنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ الْأَسْبَقِ أَوْلَى بِالْوَفَاءِ عِنْدَ التَّزَاحُمِ، فَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ الْأَسْبَقُ وُجُوباً هِيَ أَوْلَى بِتَقْدِيمِ الْفِعْلِ.

٢. قِيَاسُ الشَّبَهِ: نَقِيسُ تَرْتِيبَ الْفَوَائِتِ فِي أَنْفُسِهَا عَلَى تَرْتِيبِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ؛ بِجَامِعِ أَنَّ كِلَيْهِمَا عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ مُؤَلَّفَةٌ مِنْ أَجْزَاءٍ تَعَبُّدِيَّةٍ، فَكَمَا لَا يَصِحُّ تَقْدِيمُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ عَلَى الْوَجْهِ، فَكَذَلِكَ لَا يُقَدَّمُ الْعَصْرُ عَلَى الظُّهْرِ حِفْظاً لِهَيْئَةِ الْعِبَادَةِ كَمَا وَرَدَتْ.

[4]  إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ ضَابِطِ الْيَسِيرِ مِنَ الْفَوَائِتِ هَلْ هُوَ أَرْبَعٌ أَوْ خَمْسٌ

١. أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ وهَلْ أَرْبَعٌ أَوْ خَمْسٌ؟ خِلاف؛ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِ الْعَدَدِ الَّذِي يَنْحَصِرُ بِهِ وَصْفُ الْيَسِيرِ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَةِ الَّتِي يَجِبُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْحَاضِرَةِ وَلَوْ خَرَجَ وَقْتُهَا؛ فَقِيلَ إِنَّ حَدَّ الْيَسِيرِ أَرْبَعُ صَلَوَاتٍ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا فَهُوَ كَثِيرٌ يَسْقُطُ مَعَهُ وُجُوبُ التَّرْتِيبِ عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِ الْحَاضِرَةِ؛ وَقِيلَ بَلِ الْيَسِيرُ خَمْسُ صَلَوَاتٍ لِأَنَّهَا تُمَثِّلُ صَلَوَاتِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ كَامِلَةٍ، وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ هُوَ اعْتِبَارُ الْخَمْسِ يَسِيراً.

٢. الدَّلِيلُ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: قَالَ تَعَالَى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا.

· وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ التَّكْلِيفَ بِقَضَاءِ الْفَوَائِتِ مَعَ تَقْدِيمِهَا عَلَى الْحَاضِرَةِ مَنُوطٌ بِالْقُدْرَةِ وَعَدَمِ دُخُولِ الْمَشَقَّةِ الْعَظِيمَةِ؛ فَمَنِ اعْتَبَرَ الْخَمْسَ يَسِيراً رَأَى أَنَّ قَضَاءَ يَوْمٍ كَامِلٍ لَا يَخْرُجُ عَنِ الْوُسْعِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي يُتَحَمَّلُ فِيهِ تَأْخِيرُ الْحَاضِرَةِ؛ بَيْنَمَا رَأَى مَنِ اعْتَبَرَ الْأَرْبَعَ أَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهَا يَدْخُلُ فِي حَيِّزِ الْكَثِيرِ الَّذِي يَجْلِبُ الْحَرَجَ.

٣. الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ × صَلَّى يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ فَائِتَةٍ هِيَ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ مُرَتَّبَةً.

· وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: فِعْلُهُ × فِي تَرْتِيبِ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْأَرْبَعِ هُوَ الْقَدْرُ الْمُتَيَقَّنُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الِانْشِغَالُ بِالْقَضَاءِ قَبْلَ الِانْتِقَالِ لِغَيْرِهَا؛ فَمَنْ قَالَ بِالْأَرْبَعِ وَقَفَ عِنْدَ هَذَا النَّصِّ الْفِعْلِيِّ؛ وَمَنْ قَالَ بِالخَمْسِ أَلْحَقَ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِهَا طَرْداً لِلْبَابِ لِتَكْمُلَ صَلَوَاتُ الْيَوْمِ التَّامِّ.

٤. الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ :-

١. قَاعِدَةُ: مَا قَارَبَ الشَّيْءَ يُعْطَى حُكْمَهُ؛ فَلَمَّا كَانَتِ الْخَمْسُ صَلَوَاتٍ تُقَارِبُ الْأَرْبَعَ فِي خِفَّةِ الْقَضَاءِ وَقِلَّةِ الزَّمَانِ، أُعْطِيَتْ حُكْمَ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ التَّرْتِيبِ تَقْدِيماً لِحَقِّ السَّبْقِ.

٢. قَاعِدَةُ: الْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ؛ فَالْأَرْبَعُ صَلَوَاتٍ يَقِينٌ فِي كَوْنِهَا يَسِيراً لِوُرُودِ الْفِعْلِ النَّبَوِيِّ بِهَا، وَالْخَامِسَةُ مَحَلُّ شَكٍّ؛ فَمَنِ احْتَاطَ لِلْعِبَادَةِ أَلْحَقَ الْخَامِسَةَ لِيَسْتَبْرِئَ لِذِمَّتِهِ بِيَقِينِ الْوَفَاءِ لِصَلَوَاتِ يَوْمٍ كَامِلٍ.

٥. الدَّلِيلُ مِنَ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ :-

١. قِيَاسُ الْعِلَّةِ: لِعِلَّةِ الِاسْتِيعَابِ لِلْوِحْدَةِ الزَّمَانِيَّةِ الصُّغْرَى؛ نَقِيسُ عَدَدَ الْيَسِيرِ عَلَى عَدَدِ فَرَائِضِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؛ فَكَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ تَدُورُ مَعَ الْيَوْمِ، فَإِنَّ تَعْرِيفَ الْيَسِيرِ يَجِبُ أَنْ يَسْتَوْعِبَ هَذَا الْيَوْمَ (خَمْسُ صَلَوَاتٍ) لِيَكُونَ التَّقْدِيمُ شَامِلاً لِكُلِّ مَا وَجَبَ فِيهِ.

٢. قِيَاسُ الشَّبَهِ: نَقِيسُ الْخَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْقَضَاءِ عَلَى مَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ خَمْسٍ لَا يَدْرِي أَيَّتُهُنَّ هِيَ؛ فَكَمَا أَنَّهُ يَأْتِي بِالْخَمْسِ لِيَحْصُلَ لَهُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، فَكَذَلِكَ جُعِلَتِ الْخَمْسُ حَدَّ الْيَسِيرِ لِيَحْصُلَ بِهَا بَرَاءَةُ التَّرْتِيبِ لِمَا فَاتَ فِيهِ.

تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لِطَالِبِ الْعِلْمِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

على ما يبدو أنك زائر جديد لشبكتنا، أو عضو مسجل غير مفعل للاشتراك، أو عضو مسجل ومفعل لكن غير مثبت للحضور للمجلس الحالي.

يرجى الضغط على أحد الأزرار أدناه للتوجه إلى بوابة طالب العلم وإثبات حضورك للمجلس العلمي الحالي ليتسنى لك متابعة القراءة.